تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
لو شاء ربنا إنزال ملائكة بالرسالة منه إلى الإنس لأنزلهم بها إليهم ، وهذا أبلغ في الامتناع من إرسال البشر ، إذ علقوا ذلك بأقوال الملائكة ، وهو لم يشأ ذلك ، فكيف يشاء ذلك في البشر ؟
فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ
: خطاب لهود وصالح ومن دعا من الأنبياء إلى الإيمان ، وغلب الخطاب على الغيبة ، نحو قولك : أنت وزيد تقومان . وما مصدرية ، أي بإرسالكم ، وبه توكيد لذلك . ويجوز أن يكون ما بمعنى الذي ، والضمير في به عائد عليه ، وإذا كفروا بما تضمنه الإرسال ، كان كفرا بالإرسال . وليس قوله :
بِما أُرْسِلْتُمْ
إقرارا بالإرسال ، بل هو على سبيل التهكم ، أي بما أرسلتم على زعمكم ، كما قال فرعون :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
« 1 » . ولما بين تعالى كفر عاد وثمود على الإجمال ، فصل بعد ذلك ، فذكر خاصية كل واحدة من الطائفتين . فقال :
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا
: أي تعاظموا عن امتثال أمر اللّه وعن ما جاءتهم به الرسل ،
بِغَيْرِ الْحَقِّ
: أي بغير ما يستحقون . ولما ذكر لهم هذا الذنب العظيم ، وهو الاستكبار ، وكان فعلا قلبيا ، ذكر ما ظهر عليهم من الفعل اللساني المعبر عن ما في القلب ،
وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
: أي لا أحد أشد منا ، وذلك لما أعطاهم اللّه من عظم الخلق وشدة البطش . فرد اللّه تعالى عليهم بأن الذي أعطاهم ذلك هو أشد منهم قوة ، ومع علمهم بآيات اللّه ، كانوا يجحدونها ولا يعترفون بها ، كما يجحد المودع الوديعة من طالبها مع معرفته بها . ولفظه كان في كثير من الاستعمال تشعر بالمداومة ، وعبر بالقوة عن القدرة ، فكما يقال : اللّه أقدر منهم ، يقال : اللّه أقوى منهم . فالقدرتان بينهما قدر مشترك ، وإن تباينت القدرتان بما لكل منهما من الخاصة . كما يوصف اللّه تعالى بالعلم ، ويوصف الإنسان بالعلم . ثم ذكر تعالى ما أصاب به عادا فقال :
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً
في الحديث : « أنه تعالى أمر خزنة الريح ففتحوا عليهم قدر حلقة الخاتم ، ولو فتحوا قدر منخر الثور لهلكت الدنيا » . و روي أنها كانت تحمل العير بأوقادها ، فترميهم في البحر . والصرصر ، قال مجاهد : شديدة السموم . وقال ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي : من الصر ، أي باردة . وقال السدي أيضا ، وأبو عبيدة ، وابن قتيبة ، والطبري ، وجماعة : من صرصر إذا صوت . وقال ابن السكيت : صرصر ، يجوز أن يكون من الصرة ، وهي الصيحة ، ومنه :
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ
« 2 » . وصرصر : نهر بالعراق . وقرأ الحرميان ،
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : 26 / 27 . ( 2 ) سورة الذاريات : 51 / 29 .