تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
المذكور ، ولا يختص بما قبل الشيخ ، بل منهم من يموت قبل أن يخرج طفلا ، وآخر قبل الأشد ، وآخر قبل الشيخ .
وَلِتَبْلُغُوا
: متعلق بمحذوف ، أي يبقيكم لتبلغوا ، أي ليبلغ كل واحد منكم أجلا مسمى لا يتعداه . قال مجاهد : يعني موت الجميع ، وقيل : هو يوم القيامة . و
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
ما في ذلك من العبرة والحجج ، إذا نظرتم في ذلك وتدبرتم . ولما ذكر ، رتب الإيجاد ، ذكر أنه المتصف بالإحياء والإماتة ، وأنه متى تعلقت إرادته بإيجاد شيء أوجده من غير تأخر ، وتقدم الكلام على مثل هذه الجمل . ثم قال بعد ظهور هذه الآيات : ألا تعجب إلى المجادل في آيات اللّه كيف يصرف عن الجدال فيها ويصير إلى الإيمان بها ؟ والظاهر أنها في الكفار المجادلين في رسالة الرسول عليه السلام والكتاب الذي جاء به بدليل قوله :
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا
، ثم هددهم بقوله :
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
، وهذا قول الجمهور . وقال محمد بن سيرين وغيره : هي إشارة إلى أهل الأهواء من الأمة ، ورووا في نحو هذا حديثا وقالوا : هي في أهل القدر ومن جرى مجراهم ، ويلزم قائلي هذه المقالة أن يجعل قوله :
الَّذِينَ كَذَّبُوا
كلاما مستأنفا في الكفار ، ويكون
الَّذِينَ كَذَّبُوا
مبتدأ ، وخبره :
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
. وأما على الظاهر ، فالذين بدل من الذين ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو منصوبا على الذم ، وإذ ظرف لما مضى ، فلا يعمل فيه المستقبل ، كما لا يقول : سأقوم أمس ، فقيل : إذا يقع موقع إذ ، وأن موقعها على سبيل المجاز ، فيكون إذ هنا بمعنى إذا ، وحسن ذلك تقين وقوع الأمر ، وأخرج في صيغة الماضي ، وإن كان المعنى على الاستقبال . قال النخعي : لو أن غلّا من أغلال جهنم وضع على جبل ، لأرحضه حتى يبلغ إلى الماء الأسود . وقرأ : والسلاسل عطفا على الأغلال ، يسحبون مبنيا للمفعول . وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، وزيد بن علي ، وابن وثاب ، والمسئ في اختياره : والسلاسل بالنصب على المفعول ، يسحبون مبنيا للفاعل ، وهو عطف جملة فعلية على جملة اسمية . وقرأت فرقة منهم ابن عباس : والسلاسل ، بجر اللام . قال ابن عطية : على تقدير ، إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل ، فعطف على المراد من الكلام لا على ترتيب اللفظ ، إذ ترتيبه فيه قلب ، وهو على حد قول العرب : أدخلت القلنسوة في رأسي ، وفي مصحف أبيّ : وفي السلاسل يسحبون . وقال الزمخشري : ووجهه أنه لو قيل : إذ أعناقهم في الأغلال ، مكان قوله :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ
، لكان صحيحا مستقيما . فلما كانتا عبارتين معتقبتين ، حمل قوله :
وَالسَّلاسِلُ
على العبارة الأخرى ، ونظيره قول الشاعر :
البحر المحيط في التفسير — صفحة 271 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل