تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
قرن الجواب بما هو جواب له ، وهو قوله :
لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي
، ولم يفصل بينهما بآية ؟ قلت : لأنه لا يخلو ، إما أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن ، وإما أن تؤخر القرينة الوسطى . فلم يحسن الأول لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن ؛ وأما الثاني ، فلما فيه من نقض الترتيب ، وهو التحسر على التفريط في الطاعة ، ثم التعلل بفقد الهداية . ثم تمنى الرجعة ، فكان الصواب ما جاء عليه ، وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب . انتهى ، وهو كلام حسن . وقرأ الجمهور :
قَدْ جاءَتْكَ
، بفتح الكاف وفتح تاء ما بعدها ، خطابا للكافر ذي النفس . وقرأ ابن يعمر والجحدري ، وأبو حيوة ، والزعفراني ، وابن مقسم ، ومسعود بن صالح ، والشافعي عن ابن كثير ، ومحمد بن عيسى في اختياره وعن نصير ، والعبسي : بكسر الكاف والتاء ، خطاب للنفس ، وهي قراءة أبي بكر الصديق وابنته عائشة ، رضي اللّه عنهما ، وروتهما أم سلمة عن النبي ، صلّى اللّه عليه وسلّم . وقرأ الحسن ، والأعرج ، والأعمش : جأتك ، بالهمز من غير مد ، بوزن بعتك ، وهو مقلوب من جاءتك ، قدمت لام الكلمة وأخرت العين فسقطت الألف ، كما سقطت في رمت وعرت . ولما ذكر مقالة الكافر ، ذكر ما يعرض له يوم القيامة من الإنذار بسوء منقلبه ، وفي ضمنه وعيد لمعاصريه ، عليه السلام . والرؤية هنا من رؤية البصر ، وكذبهم نسبتهم إليه تعالى البنات والصاحبة والولد ، وشرعهم ما لم يأذن به اللّه . والظاهر أنه عام في المكذبين على اللّه ، وخصه بعضهم بمشركي العرب وبأهل الكتابين . وقال الحسن : هم القدرية يقولون : إن شئنا فعلنا ، وإن شئنا لم نفعل . وقال القاضي : يجب حمل الآية على الكل من المجبرة والمشبهة وكل من وصف اللّه بما لا يليق به نفيا وإثباتا ، فأضاف إليه ما يجب أن لا يضاف إليه ، فالكل كذبوا على اللّه ؛ فتخصيص الآية بالمجبرة والمشبهة واليهود والنصارى لا يجوز . وقال الزمخشري :
كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ
: وصفوه بما لا يجوز عليه ، وهو متعال عنه ، فأضافوا إليه الولد والشريك ، وقالوا :
شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
« 1 » ، وقالوا :
لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
« 2 » ، وقالوا :
وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
« 3 » ، ولا يبعد عنهم قوم يسفهونه بفعل القبائح . ويجوز أن يخلق خلقا لا لغرض ، وقوله : لا لغرض ، ويظلمونه بتكليف ما لا يطاق ، ويجسمونه
هامش
( 1 ) سورة يونس : 10 / 18 . ( 2 ) سورة الزخرف : 43 / 20 . ( 3 ) سورة الأعراف : 7 / 28 .