تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
الإبل والبقر والضأن والمعز ،
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
، لأن كلا منها ذكر وأنثى ، والزوج ما كان معه آخر من جنسه ، فإذا انفرد فهو فرد ووتر . وقال تعالى :
فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
« 1 » . قال ابن زيد :
خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ
: آخر من ظهر آدم وظهور الآباء . وقال عكرمة ومجاهد والسدي : رتبا
خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ
على المضغة والعلقة وغير ذلك . وأخذه الزمخشري فقال : حيوانا سويا ، من بعد عظام مكسوة لحما ، من بعد عظام عارية ، من بعد مضغ ، من بعد علق ، من بعد نطف . انتهى . وقرأ عيسى وطلحة : يخلقكم ، بإدغام القاف في الكاف ، والظلمات الثلاث : البطن والرحم والمشيمة ، وقيل : الصلب والرحم والبطن .
ذلِكُمُ
: إشارة إلى المتصف بتلك الأوصاف السابقة من خلق السماوات وما بعد ذلك من الأفعال .
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
: أي كيف تعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره ؟
إِنْ تَكْفُرُوا
، قال ابن عباس : خطاب للكفار الذين لم يرد اللّه أن يطهر قلوبهم . وعباده : هم المؤمنون ، ويؤيده قوله قبله :
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
، وهذا للكفار ، فجاء
إِنْ تَكْفُرُوا
خطابا لهم ،
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ
، وعن عبادتكم ، إذ لا يرجع إليه تعالى منفعة بكم ولا بعبادتكم إذ هو الغني المطلق . قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون مخاطبا لجميع الناس ، لأنه تعالى غني عن جميعهم ، وهم فقراء إليه . انتهى . ولفظ عباده عام ، فقيل : المراد الخصوص ، وهم الملائكة ومؤمنو الإنس والجن . والرضا بمعنى الإرادة ، فعلى هذا صفة ذات . وقيل : المراد العموم ، كما دل عليه اللفظ ، والرضا مغاير للإرادة ، عبر به عن الشكر والإثابة ، أي لا يشكره لهم دينا ولا يثيبهم به خيرا ، فالرضا على هذا صفة فعل بمعنى القبول والإثابة . قال ابن عطية : وتأمل الإرادة ، فإن حقيقتها إنما هي فيما لم يقع بعد ، والرضا حقيقته إنما هو فيما قد وقع ، واعتبر هذا في آيات القرآن تجده ، وإن كانت العرب قد تستعمل في أشعارهم على جهة التجوز هذا بدل هذا . وقال الزمخشري : ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت للّه ما نفاه عن ذاته من الرضا لعباده الكفر ، فقال : هذا من العام الذي أريد به الخاص ، وما أراد إلا عباده الذين عناهم في قوله :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ *
« 2 » ، يريد المعصومين لقوله :
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ
« 3 » ، تعالى اللّه
هامش
( 1 ) سورة القيامة : 75 / 39 . ( 2 ) سورة الحجر : 15 / 42 ، وسورة الإسراء : 17 / 65 . ( 3 ) سورة الإنسان : 76 / 6 .