تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
، وذلك القول المحذوف في موضع الحال ، أي اتخذوهم قائلين ما نعبدهم . وأجاز الزمخشري أن يكون الخبر
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ
، وقالوا : المحذوفة بدل من اتخذوا صلة الذين ، فلا يكون له موضع من الإعراب ، وكأنه من بدل الاشتمال . وفي مصحف عبد اللّه : قالوا ما نعبدهم ، وبه قرأ هو وابن عباس ومجاهد وابن جبير ، وأجاز الزمخشري أن يكون
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا
بمعنى المتخذين ، وهم الملائكة وعيسى واللات والعزى ونحوهم ، والضمير في اتخذوا عائد على الموصول محذوف تقديره : والذين اتخذهم المشركون أولياء ، وأولياء مفعول ثان ، وهذا الذي أجازه خلاف الظاهر ، وهذه المقالة شائعة في العرب ، فقال ذلك ناس منهم في الملائكة وناس في الأصنام والأوثان . قال مجاهد : وقد قال ذلك قوم من اليهود في عزيز ، وقوم من النصارى في المسيح . وقرئ : ما نعبدهم بضم النون ، اتباعا لحركة الباء .
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
: اقتصر في الرد على مجرد التهديد ، والظاهر أن الضمير في بينهم عائد على المتخذين ، والمتخذين والحكم بينهم هو بإدخال الملائكة وعيسى عليه السلام الجنة ، ويدخلهم النار مع الحجارة والخشب التي نحتوها وعبدوها من دون اللّه ، يعذبهم بها ، حيث يجعلهم وإياها حصب جهنم . واختلافهم أن من عبدوه كالملائكة وعيسى كانوا متبرءين منهم لاعنين لهم موحدين للّه . وقيل : الضمير في بينهم عائد على المشركين والمؤمنين ، إذا كانوا يلومونهم على عبادة الأصنام فيقولون :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
، والحكم إذ ذاك هو في يوم القيامة بين الفريقين .
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ
: كاذب في دعواه أن للّه شريكا ، كفار لأنعم اللّه حيث جعل مكان الشكر الكفر ، والمعنى : لا يهدي من ختم عليه بالموافاة على الكفر فهو عام ، والمعنى على الخصوص : فكم قد هدى من سبق منه الكذب والكفر . قال ابن عطية : لا يهدي الكاذب الكافر في حال كذبه وكفره . وقال الزمخشري : المراد بمنع الهداية : منع اللطف تسجيلا عليهم بأن لا لطف لهم ، وأنهم في علم اللّه من الهالكين . انتهى ، وهو على طريق الاعتزال . وقرأ أنس بن مالك ، والجحدري ، والحسن ، والأعرج ، وابن يعمر : كذاب كفار . وقرأ زيد بن علي : كذوب وكفور . ولما كان من كذبهم دعوى بعضهم أن الملائكة بنات اللّه ، وعبدوها عقبه بقوله :
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
، تشريفا له وتبنيا ، إذ يستحيل أن يكون ذلك في حقه تعالى بالتوالد
البحر المحيط في التفسير — صفحة 183 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل