تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
مصدر ، فلذلك تصلح للمفرد والمذكر وفروعهما ، وهنا جاء للجمع ، ولذلك قال :
إِذْ تَسَوَّرُوا
: إذ دخلوا ، كما قال الشاعر :
وخصم يعدون الدخول كأنهم * قروم غيارى كل أزهر مصعب
والظاهر أنهم كانوا جماعة ، فلذلك أتى بضمير الجمع . فإن كان المتحاكمان اثنين ، فيكون قد جاء معهم غيرهم على جهة المعاضدة أو المؤانسة ، ولا خلاف أنهم كانوا ملائكة ، كذا قال بعضهم . وقيل : كانا أخوين من بني إسرائيل لأب وأم ، والأول أشهر . وقيل : الخصم هنا اثنان ، وتجوز في العبارة فأخبر عنهما أخبار ما زاد على اثنين ، لأن معنى الجمع في التثنية . وقيل : معنى خصمان : فريقان ، فيكون تسوروا ودخلوا عائدا على الخصم الذي هو جمع الفريقين ، ويدل على أن خصمان بمعنى فريقان قراءة من قرأ : بغى بعضهم على بعض . وقال تعالى :
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ
« 1 » ، بمعنى : فأما إن هذا أخي . وما روي أنه بعث إليه ملكان ، فالمعنى : أن التحاكم كان بين اثنين ، ولا يمتنع أن يصحبهما غيرهما . وأطلق على الجميع خصم ، وعلى الفريقين خصمان ، لأن من جاء مع متخاصم لمعاضدة فهو في سورة خصم ، ولا يبعد أن تطلق عليه التسمية ، والعامل في الظرف ، وهو إذ أتاك ، قاله الحوفي ورد بأن إتيان النبأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يقع إلا في عهده ، لا في عهد داود . وقال ابن عطية ، وأبو البقاء : العامل فيه نبأ ورد بما رد به ما قبله أن النبأ الواقع في عهد داود عليه السلام لا يصح إتيانه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وإذا أردت بالنبإ القصة في نفسها ، لم يكن ناصبا . وقيل : العامل فيه محذوف تقديره : وهل أتاك تخاصم الخصم ؟ قاله الزمخشري . ويجوز أن ينتصب بالخصم ، لما فيه من معنى الفعل . وإذ دخلوا بدل من إذ الأولى ؛ وقيل : ينتصب بتسوروا . وروي أن اللّه تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين ، فطلبا أن يدخلا عليه ، فوجداه في يوم عبادته ، فمنعهما ، فتسورا عليه المحراب ، فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان . قال ابن عباس : جزأ زمانه أربعة أجزاء : يوما للعبادة ، ويوما للقضاء ، ويوما للاشتغال بخواص أموره ، ويوما لجميع بني إسرائيل ، فيعظهم ويبكيهم . فجاءوه في غير القضاء ، ففزع منهم لأنهم نزلوا عليه من فوق ، وفي يوم الاحتجاب ، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه ، فخاف أن يؤذوه . وقيل : كان ذلك ليلا ، ويحتمل أن يكون فزعه من أجل أن
هامش
( 1 ) سورة الحج : 22 / 19 .