تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
لأنه لم يرد أنها تحشر شيئا ، إذ حاشرها هو اللّه تعالى ، فحشرها جملة واحدة أدل على القدرة . والظاهر عود الضمير في له على داود ، أي كل واحد من الجبل والطير لأجل داود ، أي لأجل تسبيحه . سبح لأنها كانت ترجع تسبيحه ، ووضع الأواب موضع المسبح . وقيل : الضمير عائد على اللّه ، أي كل من داود والجبال والطير أواب ، أي مسبح مرجع للتسبيح . وقرأ الجمهور :
وَشَدَدْنا
، مخففا : أي قوينا ، كقوله :
سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ
« 1 » . والحسن ، وابن أبي عبلة : بشد الدال ، وهي عبارة شاملة لما وهبه اللّه تعالى من قوة وجند ونعمة ، فالتخصيص ببعض الأشياء لا يظهر . وقال السدي : بالجنود . قيل : كان يبيت حول محرابه أربعون ألف مسلم يحرسونه ، وهذا بعيد في العادة ؛ وقيل : بهيبة قذفها اللّه له في قلوب قومه . و
الْحِكْمَةَ
هنا : النبوة ، أو الزبور ، أو الفهم في الدين ، أو كل كلام ، ولقن الحق أقوال .
وَفَصْلَ الْخِطابِ
، قال علي والشعبي : إيجاب اليمين على المدعى عليه ، والبينة على المدعي . وقال ابن عباس ، ومجاهد ، والسدي : القضاء بين الناس بالحق وإصابته وفهمه . وقال الشعبي : كلمة أما بعد ، لأنه أول من تكلم بها وفصل بين كلامين . قال الزمخشري : لأنه يفتتح إذا تكلم في الأمر الذي له شأن بذكر اللّه وتحميده ، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه ، فصل بينه وبين ذكر اللّه بقوله : أما بعد . ويجوز أن يراد بالخطاب : القصد الذي ليس له فيه اختصار مخل ، ولا إشباع ممل ؛ ومنه ما جاء في صفة كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فصل لا نذر ولا هذر . انتهى . ولما كان تعالى قد كمل نفس نبيه داود بالحكمة ، أردفه ببيان كمال خلقه في النطق والعبادة فقال :
وَفَصْلَ الْخِطابِ
.
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ
: لما أثنى تعالى على داود عليه السلام بما أثنى ، ذكر قصته هذه ، ليعلم أن مثل قصته لا يقدح في الثناء عليه والتعظيم لقدره ، وإن تضمنت استغفاره ربه ، وليس في الاستغفار ما يشعر بارتكاب أمر يستغفر منه ، وما زال الاستغفار شعار الأنبياء المشهود لهم بالعصمة . ومجيء مثل هذا الاستفهام إنما يكون لغرابة ما يجيء معه من القصص ، كقوله :
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى
« 2 » ، فيتهيأ المخاطب بهذا الاستفهام لما يأتي بعده ويصغي لذلك . وذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء ، ضربنا عن ذكرها صفحا ، وتكلمنا على ألفاظ الآية . والنبأ : الخبر ، فالخبر أصله
هامش
( 1 ) سورة القصص : 28 / 35 . ( 2 ) سورة طه : 20 / 9 .