تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
: تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب من خبر الملائكة أولي أجنحة ، أي ليس هذا ببدع في قدرة اللّه ، فإنه يزيد في خلقه ما يشاء ، والظاهر عموم الخلق . وقال الفراء : هذا في الأجنحة التي للملائكة ، أي يزيد في خلق الملائكة الأجنحة . وقالوا : في هذه الزيادة الخلق الحسن ، أو حسن الصوت ، أو حسن الخط ، أو لملاحة في العينين أو الأنف ، أو خفة الروح ، أو الحسن ، أو جعودة الشعر ، أو العقل ، أو العلم ، أو الصنعة ، أو العفة في الفقراء ، والحلاوة في الفم ، وهذه الأقوال على سبيل التمثيل لا الحصر . والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق ، وقد شرحوا هذه الزيادة بالأشياء المستحسنة ، وما يشاء عام لا يخص مستحسنا دون غيره . وختم الآية بالقدرة على كل شيء يدل على ذلك ، والفتح والإرسال استعارة للإطلاق ،
فَلا مُرْسِلَ لَهُ
مكان لا فاتح له ، والمعنى : أي شيء يطلق اللّه .
مِنْ رَحْمَةٍ
: أي نعمة ورزق ، أو مطر ، أو صحة ، أو أمن ، أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط بعددها . وما روي عن المفسرين المتقدمين من تفسير رحمة بشيء معين فليس على الحصر منه ، إنما هو مثال . قال الزمخشري : وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام ، كأنه قال : من أية رحمة كانت سماوية أو أرضية ، فلا يقدر أحد على إمساكها وحبسها ، وأي شيء يمسك اللّه فلا أحد يقدر على إطلاقه . انتهى . والعموم مفهوم من اسم الشرط ومن رحمة لبيان ذلك العام من أي صنف هو ، وهو مما اجتزئ فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم الشرط ، وتقديره : من الرحمات ، ومن في موضع الحال ، أي كائنا من الرحمات ، ولا يكون في موضع الصفة ، لأن اسم الشرط لا يوصف . والظاهر أن قوله :
وَما يُمْسِكْ
عام في الرحمة وفي غيرها ، لأنه لم يذكر له تبيين ، فهو باق على العموم في كل ما يمسك . فإن كان تفسيره
مِنْ رَحْمَةٍ
، وحذفت لدلالة الأول عليه ، فيكون تذكير الضمير في
فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
حملا على لفظ ما ، وأنث في
مُمْسِكَ لَها
على معنى ما ، لأن معناها الرحمة . وقرئ : فلا مرسل لها ، بتأنيث الضمير ، وهو دليل على أن التفسير هو
مِنْ رَحْمَةٍ
، وحذف لدلالة ما قبله عليه . وعن ابن عباس :
مِنْ رَحْمَةٍ
: من باب توبة ،
فَلا مُمْسِكَ لَها
: أي يتوبون إن شاءوا وإن أبوا ،
وَما يُمْسِكْ
: من باب ،
فَلا مُرْسِلَ لَهُ
من بعده ، فهم لا يتوبون . وعنه أيضا :
مِنْ رَحْمَةٍ
: من هداية . قال الزمخشري : فإن قلت : فما تقول فيمن فسر الرحمة بالتوبة وعزاه إلى ابن عباس ؟ قلت : أراد بالتوبة : الهداية لها والتوفيق فيها ، وهو الذي أراده
البحر المحيط في التفسير — صفحة 12 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل