تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
صحيح أنه أمرّ الشفرة على حلق ابنه .
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ
إلى :
الْمُؤْمِنِينَ
، تقدم تفسير نظيره في آخر قصة نوح ، قبل قصة إبراهيم هنا ، وقال هنا كذلك دون إنا ، اكتفاء بذكر ذلك قبل وبعد .
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
: الظاهر أن هذه بشارة غير تلك البشارة ، وأن الغلام الحليم المبشر به إبراهيم هو إسماعيل ، وأنه هو الذبيح لا إسحاق ؛ وهو قول ابن عباس ، وابن عمر ، ومعاوية بن أبي سفيان ، ومحمد بن كعب القرظي ، والشعبي ، والحسن ، ومجاهد ، وجماعة من التابعين ؛ واستدلوا بظاهر هذه الآيات وبقوله عليه السلام : أنا ابن الذبيحين ، وقول الأعرابي له : يا ابن الذبيحين ، فتبسم عليه السلام ، يعني إسماعيل ، وأباه عبد اللّه . وكان عبد المطلب نذر ذبح أحد ولده ، فخرج السهم على عبد اللّه ، فمنعه أخواله وقالوا له : افد ابنك بمائة من الإبل ، ففداه بها . وفيما أوحى اللّه لموسى في حديث طويل . وأما إسماعيل ، فإنه جاد بدم نفسه . وسأل عمر بن عبد العزيز يهوديا أسلم عن ذلك فقال : إن يهوديا ليعلم ، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب ، وكان قرنا الكبش منوطين في الكعبة . وسأل الأصمعي أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال : يا أصمعي ، أين عزب عنك عقلك ؟ ومتى كان إسحاق بمكة ؟ وهو الذي بنى البيت مع أبيه ، والمنحر بمكة ؟ انتهى . ووصفه تعالى بالصبر في قوله :
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ
« 1 » ، وهو صبره على الذبح ؛ وبصدق الوعد في قوله :
إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ
« 2 » ، لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به . وذكر الطبري أن ابن عباس قال : الذبيح إسماعيل ، ويزعم اليهود أنه إسحاق ، وكذبت اليهود . ومن أقوى ما يستدل به أن اللّه تعالى بشر إبراهيم بإسحاق ، وولد إسحاق يعقوب . فلو كان الذبيح إسحاق ، لكان ذلك الإخبار غير مطابق للواقع ، وهو محال في إخبار اللّه تعالى . وذهبت جماعة إلى أن الذبيح هو إسحاق ، منهم : العباس بن عبد المطلب ، وابن مسعود ، وعلي ، وعطاء ، وعكرمة ، وكعب ، وعبيد بن عمير ، وابن عباس في رواية ، وكان أمر ذبحه بالشأم . وقال عطاء ومقاتل : ببيت المقدس ؛ وقيل : بالحجاز ، جاء مع أبيه على البراق . وقال عبيد بن عمير ، وابن عباس في رواية : وكان أمر ذبحه بالشأم ، كان بالمقام . وقال ابن عباس : والبشارة في قوله :
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ
، هي بشارة نبوته . وقالوا : أخبر تعالى عن خليله إبراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولدا ، ثم أتبع تلك البشارة بغلام حليم ،
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : 21 / 85 . ( 2 ) سورة مريم : 19 / 54 .