تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
وَتَلَّهُ
على زيادة الواو . وذكر الزمخشري في قصة إبراهيم وابنه ، وما جرى بينهما من الأقوال والأفعال فصولا ، اللّه أعلم بصحتها ، يوقف عليها في كتابه . وأن مفسرة ، أي
قَدْ صَدَّقْتَ
. وقرأ زيد بن علي : وناديناه قد صدقت ، بحذف أن ؛ وقرئ : صدقت ، بتخفيف الدال . وقرأ فياض : الريا ، بكسر الراء والإدغام وتصديق الرؤيا . قال الزمخشري : بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه ، لكن اللّه سبحانه جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه ، وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم . ألا ترى أنه لا يسمى عاصيا ولا مفرطا ؟ بل يسمى مطيعا ومجتهدا ، كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وأنهرت الدم . وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل ، ولا قبل أوان الفعل في شيء ، كما يسبق إلى بعض الأوهام حتى يشتغل بالكلام فيه . وقال ابن عطية :
قَدْ صَدَّقْتَ
، يحتمل أن يريد بقلبك على معنى : كانت عندك رؤياك صادقة حقا من اللّه فعملت بحسبها حين آمنت بها ، واعتقدت صدقها . ويحتمل أن يريد : صدقت بقلبك ما حصل عن الرؤيا في نفسك ، كأنه قال : قد وفيتها حقها من العمل . انتهى .
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
: تعليل لتخويل ما خولهما اللّه من الفرج بعد الشدة ، والظفر بالبغية بعد اليأس .
إِنَّ هذا
: أي ما أمر به إبراهيم من ذبح ابنه ،
لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
: أي الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون وغيرهم ، أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها .
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ
، قال ابن عباس : هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه ، وكان يرعى في الجنة حتى فدى به إسماعيل . وقال أيضا هو والحسن : فدي بوعل أهبط عليه من سرو . وقال الجمهور : كبش أبيض أقرن أقنى ، ووصف بالعظم . قال مجاهد : لأنه متقبل يقينا . وقال عمرو بن عبيد : لأنه جرت السنة به ، وصار دينا باقيا إلى آخر الدهر . وقال الحسن بن الفضل : لأنه كان من عند اللّه . وقال أبو بكر الوراق : لأنه لم يكن عن نسل ، بل عن التكوين . وقال ابن عباس ، وابن جبير : عظمته كونه من كباش الجنة ، رعى فيها أربعين خريفا . وفي قوله :
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
دليل على أن إبراهيم لم يذبح ابنه ، وقد فدي . وقالت فرقة : وقع الذبح وقام بعد ذلك . قال ابن عطية : وهذا كذب صراح . وقالت فرقة : لم ير إبراهيم في منامه الإمرار بالشفرة فقط ، فظن أنه ذبح مجهز ، فنفذ لذلك . فلما وقع الذي رآه وقع النسخ ، قال : ولا اختلاف ، فإن إبراهيم عليه السلام ، أمرّ الشفرة على حلق ابنه فلم تقطع . انتهى . والذي دل عليه القرآن أنه
تَلَّهُ لِلْجَبِينِ
فقط ، ولم يأت في حديث
البحر المحيط في التفسير — صفحة 118 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل