تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
فرغت إلى العبد المقيد في الحجل وفي الحديث : « فرغ ربك من أربع » ، وفيه : « لأتفرغن إليك يا خبيث » ، يخاطب به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إرب العقبة يوم بيعتها : أي لأقصدن إبطال أمرك ، نقل هذا عن الخليل والكسائي والفراء . وقرأ الجمهور : سنفرغ بنون العظمة وضم الراء ، من فرغ بفتح الراء ، وهي لغة الحجاز ؛ وحمزة والكسائي وأبو حيوة وزيد بن علي : بياء الغيبة ؛ وقتادة والأعرج : بالنون وفتح الراء ، مضارع فرغ بكسرها ، وهي تميمية ؛ وأبو السمال وعيسى : بكسر النون وفتح الراء . قال أبو حاتم : هي لغة سفلى مضر ؛ والأعمش وأبو حيوة بخلاف عنهما ؛ وابن أبي عبلة والزعفراني : بضم الياء وفتح الراء ، مبنيا للمفعول ؛ وعيسى أيضا : بفتح النون وكسر الراء ؛ والأعرج أيضا : بفتح الياء والراء ، وهي رواية يونس والجعفي وعبد الوارث عن أبي عمرو . والثقلان : الإنس والجن ، سميا بذلك لكونهما ثقيلين على وجه الأرض ، أو لكونهما مثقلين بالذنوب ، أو لثقل الإنس . وسمي الجن ثقلا لمجاورة الإنس ، والثقل : الأمر العظيم . وفي الحديث : « إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي » ، سميا بذلك لعظمهما وشرفهما . والظاهر أن قوله :
يا مَعْشَرَ
الآية من خطاب اللّه إياهم يوم القيامة ،
يَوْمَ التَّنادِ
« 1 » . وقيل : يقال لهم ذلك . قال الضحاك : يفرون في أقطار الأرض لما يرون من الهول ، فيجدون الملائكة قد أحاطت بالأرض ، فيرجعون من حيث جاءوا ، فحينئذ يقال لهم ذلك . وقيل : هو خطاب في الدنيا ، والمعنى : إن استطعتم الفرار من الموت . وقال ابن عباس :
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
بأذهانكم وفكركم ،
أَنْ تَنْفُذُوا
، فتعلمون علم
أَقْطارِ
: أي جهات
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. قال الزمخشري :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
، كالترجمة لقوله :
أَيُّهَ الثَّقَلانِ
،
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
أن تهربوا من قضائي ، وتخرجوا من ملكوتي ومن سمائي وأرضي فافعلوا ؛ ثم قال : لا تقدرون على النفوذ
إِلَّا بِسُلْطانٍ
، يعني : بقوة وقهر وغلبة ، وأنى لكم ذلك ، ونحوه :
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
« 2 » . انتهى .
فَانْفُذُوا
: أمر تعجيز . وقال قتادة : السلطان هنا الملك ، وليس لهم ملك . وقال الضحاك أيضا : بينما الناس في أسواقهم ، انفتحت السماء ونزلت الملائكة ، فتهرب الجن والإنس ، فتحدق بهم الملائكة . وقرأ زيد بن علي : إن استطعتما ، على خطاب تثنية الثقلين ومراعاة الجن والإنس ؛ والجمهور : على خطاب الجماعة إن
هامش
( 1 ) سورة غافر : 40 / 32 . ( 2 ) سورة العنكبوت : 29 / 51 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 64 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل