تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
وَوَضَعَ الْمِيزانَ
جملة ليس فيها معنى القول . والطغيان في الميزان هو أن يكون بالتعمد ، وأما ما لا يقدر عليه من التحرير بالميزان فمعفو عنه . ولما كانت التسوية مطلوبة جدا ، أمر اللّه تعالى فقال :
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ
. وقرأ الجمهور :
وَلا تُخْسِرُوا
، من أخسر : أي أفسد ونقص ، كقوله :
وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
« 1 » ؛ أي ينقصون . وبلال بن أبي بردة وزيد بن علي : تخسر بفتح التاء ، يقال : خسر يخسر ، وأخسر يخسر بمعنى واحد ، كجبر وأجبر . وحكى ابن جني وصاحب اللوامح ، عن بلال : فتح التاء والسين مضارع خسر بكسر السين ، وخرجها الزمخشري على أن يكون التقدير : في الميزان ، فحذف الجار ونصب ، ولا يحتاج إلى هذا التخريج . ألا ترى أن خسر جاء متعديا كقوله تعالى :
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ *
« 2 » ، و
خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
« 3 » ؟ وقرئ أيضا : تخسروا ، بفتح التاء وضم السين . لما منع من الزيادة ، وهي الطغيان ، نهى عن الخسران الذي هو نقصان ، وكرر لفظ الميزان ، تشديدا للتوصية به وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه . ولما ذكر السماء ، ذكر مقابلتها فقال :
وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ
: أي خفضها مدحوة على الماء لينتفع بها . وقرأ الجمهور : والأرض بالنصب ؛ وأبو السمال : بالرفع . والأنام ، قال ابن عباس : بنو آدم فقط . وقال أيضا هو وقتادة وابن زيد والشعبي : الحيوان كله . وقال الحسن : الثقلان ، الجن والإنس .
فِيها فاكِهَةٌ
: ضروب مما يتفكه به . وبدأ بقوله :
فاكِهَةٌ
، إذ هو من باب الابتداء بالأدنى والترقي إلى الأعلى ، ونكر لفظها ، لأن الانتفاع بها دون الانتفاع بما يذكر بعدها . ثم ثنى بالنخل ، فذكر الأصل ولم يذكر ثمرتها ، وهو الثمر لكثرة الانتفاع بها من ليف وسعف وجريد وجذوع وجمار وثمر . ثم أتى ثالثا بالحب الذي هو قوام عيش الإنسان في أكثر الأقاليم ، وهو البر والشعير وكل ما له سنبل وأوراق متشعبة على ساقه ، ووصفه بقوله :
ذُو الْعَصْفِ
تنبيها على إنعامه عليهم بما يقوتهم من الحب ، ويقوت بهائمهم من ورقه الذي هو التبن . وبدأ بالفاكهة وختم بالمشموم ، وبينهما النخل والحب ، ليحصل ما به يتفكه ، وما به يتقوت ، وما به تقع اللذاذة من الرائحة الطيبة . وذكر النخل باسمها ، والفاكهة دون شجرها ، لعظم المنفعة بالنخل من
هامش
( 1 ) سورة المطففين : 83 / 3 . ( 2 ) سورة الأعراف : 7 / 9 - 53 ، وسورة هود : 11 / 21 ، وسورة المؤمنون : 23 / 103 ، وسورة الزمر : 39 / 15 . ( 3 ) سورة الحج : 22 / 11 .