تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
هذه السورة مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وقال ابن عباس وقتادة : إلا آيتين منها :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
والتي تليها ، ذكره الماوردي . وقال الجمهور : هي مكية إلا قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ
إلخ ، فإنه نزل بالمدينة . وسبب نزولها فيما ذكر الجمهور : أنه عليه الصلاة والسلام لما جاءه الملك في غار حراء وحاوره بما حاوره ، رجع إلى خديجة فقال : « زملوني زملوني » ، فنزلت :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
« 1 » ، وعلى هذا نزلت :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
. قالت عائشة والنخعي وجماعة : ونودي بذلك لأنه كان في وقت نزول الآية متزملا بكساء . وقال قتادة : كان تزمل في ثيابه للصلاة واستعد . فنودي على معنى : يا أيها المستعد للعبادة . وقال عكرمة : معناه المزمل للنبوة وأعبائها ، أي المشمر المجد ، فعلى هذا يكون التزمل مجازا ، وعلى ما سبق يكون حقيقة . وما رووا أن عائشة رضي اللّه عنها سئلت : ما كان تزميله ؟ قالت : كان مرطا طوله أربع عشرة ذراعا ، نصفه عليّ وأنا نائمة ، ونصفه عليه ، إلى آخر الرواية ؛ كذب صراح ، لأن نزول
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
بمكة في أوائل مبعثه ، وتزويجه عائشة كان بالمدينة . ومناسبة هذه السورة لما قبلها : أن في آخر ما قبلها
عالِمُ الْغَيْبِ
« 2 » الآيات ، فأتبعه بقوله :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
، إعلاما بأنه صلّى اللّه عليه وسلم ممن ارتضاه من الرسل وخصه بخصائص وكفاه شر أعدائه . وقرأ الجمهور :
الْمُزَّمِّلُ
، بشد الزاي وكسر الميم ، أصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي . وقرأ أبي : المتزمل على الأصل ؛ وعكرمة : بتخفيف الزاي . أي المزمل جسمه أو نفسه . وقرأ بعض السلف : بتخفيف الزاي وفتح الميم ، أي الذي لف . وللزمخشري في كيفية نداء اللّه له بهذا الوصف كلام ضربت عن ذكره صفحا ، فلم أذكره في كتابي . وقال السهيلي : ليس المزمل باسم من أسمائه عليه الصلاة والسلام يعرف به ، وإنما هو مشتق من حالته التي كان التبس بها حالة الخطاب ، والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب تترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها ، كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم لعليّ كرم اللّه وجهه وقد نام ولصق بجنبه التراب : « قم أبا تراب » ، إشعارا بأنه ملاطف له ، فقوله :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
فيه تأنيس وملاطفة . وقرأ الجمهور :
قُمِ اللَّيْلَ
، بكسر الميم على أصل التقاء الساكنين ؛ وأبو السمال :
هامش
( 1 ) سورة المدثر : 74 / 1 . ( 2 ) سورة الجن : 72 / 26 وما بعدها .