تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
يوم القيامة . وقيل : طوله ذلك العدد ، وهذا ظاهر ما جاء في الحديث في مانع الزكاة فإنه قال :
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
. وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري : قدره في رزاياه وهوله وشدته للكفار ذلك العدد . وفي الحديث : « يخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة » . وقال عكرمة مقدار : ما ينقضي فيه من الحساب قدر ما يقضي بالعدل في خمسين ألف سنة من أيام الدنيا . وقال الحسن : نحوه . وقيل : لا يراد حقيقة العدد ، إنما أريد به طول الموقف يوم القيامة وما فيه من الشدائد ، والعرب تصف أيام الشدة بالطول وأيام الفرح بالقصر . قال الشاعر يصف أيام الفرح والسرور :
ويوم كظل الرمح قصر طوله * دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
والظاهر أن قوله :
فِي يَوْمٍ
متعلق بتعرج . وقيل : بدافع ، والجملة من قوله :
تَعْرُجُ
اعتراض . ولما كانوا قد سألوا استعجال العذاب ، وكان السؤال على سبيل الاستهزاء والتكذيب ، وكانوا قد وعدوا به ، أمره تعالى بالصبر ، ومن جعله من السيلان فالمعنى : أنه أشرف على الوقوع ، والضمير في
يَرَوْنَهُ
عائد على العذاب أو على اليوم ، إذا أريد به يوم القيامة ، وهذا الاستبعاد هو على سبيل الإحالة منهم .
وَنَراهُ قَرِيباً
: أي هينا في قدرتنا ، غير بعيد علينا ولا متعذر ، وكل ما هو آت قريب ، والبعد والقرب في الإمكان لا في المسافة .
يَوْمَ تَكُونُ
: منصوب بإضمار فعل ، أي يقع يوم تكون ، أو
يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ
كان كيت وكيت ، أو بقريبا ، أو بدل من ضمير نراه إذا كان عائدا على يوم القيامة . وقال الزمخشري : أو هو بدل من
فِي يَوْمٍ
فيمن علقه بواقع . انتهى . ولا يجوز هذا ، لأن
فِي يَوْمٍ
وإن كان في موضع نصب لا يبدل منه منصوب لأن مثل هذا ليس من المواضع التي تراعى في التوابع ، لأن حرف الجر فيها ليس بزائد ولا محكوم له بحكم الزائد كرب ، وإنما يجوز مراعاة المواضع في حرف الجر الزائد كقوله :
يا بني لبينى لستما بيد * إلا يدا ليست لها عضد
ولذلك لا يجوز : مررت بزيد الخياط ، على مراعاة موضع بزيد ، ولا مررت بزيد وعمرا ، ولا غضبت على زيد وجعفرا ، ولا مررت بعمر وأخاك على مراعاة الموضع . فإن قلت : الحركة في يوم تكون حركة بناء لا حركة إعراب ، فهو مجرور مثل
فِي يَوْمٍ
. قلت : لا يجوز بناؤه على مذهب البصريين لأنه أضيف إلى معرب ، لكنه يجوز على مذهب الكوفيين ، فيتمشى كلام الزمخشري على مذهبهم إن كان استحضره وقصده .
كَالْمُهْلِ
: تقدم الكلام عليه في سورة الدخان ،
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
، كما في
البحر المحيط في التفسير — صفحة 273 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل