تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
النَّارِ
« 1 » ، والهمزة فيه للدخول في الشيء أو للصيرورة ، ومطاوع كب انكب ، تقول : كببته فانكب . وقال الزمخشري : ولا شيء من بناء افعل مطوعا ، ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه ، وهذا الرجل كثير التبجح بكتاب سيبويه ، وكم من نص في كتاب سيبويه عمى بصره وبصيرته ! حتى أن الإمام أبا الحجاج يوسف بن معزوز صنف كتابا يذكر فيه ما غلط فيه الزمخشري وما جهله من نصوص كتاب سيبويه . وأهدي : افعل تفضيل من الهدى في الظاهر ، وهو نظير : العسل أحلى أم الخل ؟ وهذا الاستفهام لا تراد حقيقته ، بل المراد منه أن كل سامع يجيب بأن الماشي سويا على صراط مستقيم أهدى . وانتصب
قَلِيلًا
على أنه نعت لمصدر محذوف ، وما زائدة ، وتشكرون مستأنف أو حال مقدرة ، أي تشكرون شكرا قليلا . وقال ابن عطية : ظاهر أنهم يشكرون قليلا ، وما عسى أن يكون للكافرين شكر ، وهو قليل غير نافع . وأما أن يريد به نفي الشكر جملة فعبر بالقلة ، كما تقول العرب : هذه أرض قلّ ما تنبت كذا ، وهي لا تنبته البتة . انتهى . وتقدم نظير قوله والرد عليه في ذلك .
ذَرَأَكُمْ
: بثكم ، والحشر : البعث ، والوعد المشار إليه هو وعد يوم القيامة ، أي متى إنجاز هذا الوعد ؟ .
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً
: أي رأوا العذاب وهو الموعود به ،
زُلْفَةً
: أي قربا ، أي ذا قرب . وقال الحسن : عيانا . وقال ابن زيد : حاضرا . وقيل : التقدير مكانا ذا زلفة ، فانتصب على الظرف .
سِيئَتْ
: أي ساءت رؤيته وجوههم ، وظهر فيها السوء والكآبة ، وغشيها السواد كمن يساق إلى القتل . وأخلص الجمهور كسرة السين ، وأشمها الضم أبو جعفر والحسن وأبو رجاء وشيبة وابن وثاب وطلحة وابن عامر ونافع والكسائي .
وَقِيلَ
لهم ، أي تقول لهم الزبانية ومن يوبخهم . وقرأ الجمهور :
تَدَّعُونَ
بشد الدال مفتوحة ، فقيل : من الدعوى . قال الحسن : تدعون أنه لا جنة ولا نار . وقيل : تطلبون وتستعجلون ، وهو من الدعاء ، ويقوي هذا القول قراءة أبي رجاء والضحاك والحسن وقتادة وابن يسار عبد اللّه بن مسلم وسلام ويعقوب : تدعون بسكون الدال ، وهي قراءة ابن أبي عبلة وأبي زيد وعصمة عن أبي بكر والأصمعي عن نافع . روي أن الكفار كانوا يدعون على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بالهلاك . وقيل : كانوا يتآمرون بينهم بأن يهلكوهم بالقتل ونحوه ، فأمر أن يقول :
إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ
كما تريدون ،
أَوْ رَحِمَنا
بالنصر عليكم ، فمن يحميكم من العذاب الذي سببه كفركم ؟ ولما قال :
أَوْ رَحِمَنا
قال :
هُوَ الرَّحْمنُ
، ثم ذكر ما به
هامش
( 1 ) سورة النمل : 27 / 90 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 229 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل