تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
ولما ذكر ما حل بهذه القرية العاتية ، أمر المؤمنين بتقوى اللّه تحذيرا من عقابه ، ونبه على ما يحض على التقوى ، وهو إنزال الذكر . والظاهر أن الذكر هو القرآن ، وأن الرسول هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . فإما أن يجعل نفس الذكر مجازا لكثرة يقدر منه الذكر ، فكأنه هو الذكر ، أو يكون بدلا على حذف مضاف ، أي ذكر رسول . وقيل :
رَسُولًا
نعت على حذف مضاف ، أي ذكرا ، ذا رسول . وقيل : المضاف محذوف من الأول ، أي ذا ذكر رسولا ، فيكون رسولا نعتا لذلك المحذوف أو بدلا . وقيل : رسول بمعنى رسالة ، فيكون بدلا من ذكر ، أو يبعده قوله بعده
يَتْلُوا عَلَيْكُمْ
، والرسالة لا تسند التلاوة إليها إلا مجازا . وقيل : الذكر أساس أسماء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : الذكر : الشرف لقوله :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
« 1 » ، فيكون رسولا بدلا منه وبيانا له . وقال الكلبي : الرسول هنا جبريل عليه السلام ، وتبعه الزمخشري فقال : رسولا هو جبريل صلوات اللّه وسلامه عليه ، أبدل من ذكرا لأنه وصف بتلاوة آيات اللّه ، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر ، فصح إبداله منه . انتهى . ولا يصح لتباين المدلولين بالحقيقة ، ولكونه لا يكون بدل بعض ولا بدل اشتمال ، وهذه الأعاريب على أن يكون ذكرا ورسولا لشيء واحد . وقيل : رسولا منصوب بفعل محذوف ، أي بعث رسولا ، أو أرسل رسولا ، وحذف لدلالة أنزل عليه ، ونحا إلى هذا السدي ، واختاره ابن عطية . وقال الزجاج وأبو علي الفارسي : يجوز أن يكون رسولا معمولا للمصدر الذي هو الذكر . انتهى . فيكون المصدر مقدرا بأن ، والقول تقديره : إن ذكر رسولا وعمل منونا كما عمل ، أو
إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً
، كما قال الشاعر :
بضرب بالسيوف رؤوس قوم * أزلنا هامهن عن المقيل
وقرئ : رسول بالرفع على إضمار هو ليخرج ، يصح أن يتعلق بيتلوا وبأنزل .
الَّذِينَ آمَنُوا
: أي الذين قضى وقدر وأراد إيمانهم ، أو أطلق عليهم آمنوا باعتبار ما آل أمرهم إليه . وقال الزمخشري : ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح ، لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين ، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ . انتهى . والضمير في
لِيُخْرِجَ
عائد على اللّه تعالى ، أو على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو على الذكر .
وَمَنْ يُؤْمِنْ
: راعى اللفظ أولا في من الشرطية ، فأفرد الضمير في
يُؤْمِنْ
،
وَيَعْمَلْ
، و
يُدْخِلْهُ
، ثم راعى المعنى في
خالِدِينَ
، ثم راعى اللفظ في
قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ
فأفرد . واستدل النحويون بهذه الآية على مراعاة اللفظ أولا ، ثم مراعاة المعنى ، ثم مراعاة اللفظ . وأورد
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : 43 / 44 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 204 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل