ومناسبتها لما قبلها : أنه لما ذكر حال المنافقين واليهود وتولي بعضهم بعضا ، ذكر أيضا ما حل باليهود من غضب اللّه عليهم وجلائهم ، وإمكان اللّه تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام ممن حاد اللّه ورسوله ورام الغدر بالرسول عليه الصلاة والسلام وأظهر العداوة بحلفهم مع قريش .
وتقدم الكلام في تسبيح الجمادات التي يشملها العموم المدلول عليه بما ،
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
: هم قريظة ، وكانت قبيلة عظيمة توازن في القدر والمنزلة بني النضير ، ويقال لهما الكاهنان ، لأنهما من ولد الكاهن بن هارون ، نزلوا قريبا من المدينة في فتن بني إسرائيل ، انتظارا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان من أمرهم ما قصه اللّه تعالى في كتابه .
مِنْ دِيارِهِمْ
: يتعلق بأخرج ، و
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
يتعلق بمحذوف ، أي كائنين من أهل الكتاب . وصحت الإضافة إليهم لأنهم كانوا ببرية لا عمران فيها ، فبنوا فيها وأنشئوا . واللام في
لِأَوَّلِ الْحَشْرِ
تتعلق بأخرج ، وهي لام التوقيت ، كقوله :
لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
« 1 » ، والمعنى : عند أول الحشر ، والحشر : الجمع للتوجيه إلى ناحية ما . والجمهور : إلى أن هؤلاء الذين أخرجوا هم بنو النضير . وقال الحسن : هم بنو قريظة ؛ ورد هذا بأن بني قريظة ما حشروا ولا أجلوا وإنما قتلوا ، وهذا الحشر هو بالنسبة لإخراج بني النضير . وقيل الحشر هو حشر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الكتائب لقتالهم ، وهو أول حشر منه لهم ، وأول قتال قاتلهم . وأول يقتضي ثانيا ، فقيل : الأول حشرهم للجلاء ، والثاني حشر عمر لأهل خيبر وجلاؤهم . وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بجلاء أهل خيبر
بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يبقين دينان في جزيرة » .
وقال الحسن : أراد حشر القيامة ، أي هذا أوله ، والقيام من القبور آخره . وقال عكرمة والزهري :
المعنى : الأول موضع الحشر ، وهو الشام .
وفي الحديث ، أنه عليه الصلاة والسلام قال لبني النضير : « اخرجوا » ، قالوا : إلى أين ؟ قال : « إلى أرض المحشر » .
وقيل : الثاني نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، وهذا الجلاء كان في ابتداء الإسلام ، وأما الآن فقد نسخ ، فلا بد من القتل والسبي أو ضرب الجزية .
ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا
، لعظم أمرهم ومنعتهم وقوتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعددهم .
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ
تمنعهم حصونهم من حرب اللّه وبأسه . ولما كان ظن المؤمنين منفيا هنا ، أجري مجرى نفي الرجاء والطمع ، فتسلط على أن الناصبة للفعل ، كما
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 17 / 78 .