تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 20 ] يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 )
شرح
العيمة والصاعقة قصفة رعد هائل تنقض معها بثقة نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه من الصعق وهو شدة الصوت وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد أو للرعد والتاء للمبالغة كما في الرواية أو مصدرا كالعافية وقد تطلق على كل هائل مسموع أو مشاهد يقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق أو بشدة الصوت وسد الآذان إنما يفيد على التقدير الثاني دون الأول وقرئ من الصواقع وليس ذلك بقلب من الصواعق لاستواء كلا البناءين في التصرف يقال صقع الديك وخطيب مصقع أي مجهر بخطبته( حَذَرَ الْمَوْتِ )منصوب بيجعلون على العلة وإن كان معرفة بالإضافة كقوله[ وأغفر عوراء الكريم ادخاره * واصفح عن شتم اللئيم تكرما ]ولا ضير في تعدد المفعول له فإن الفعل يعلل بعلل شتى وقيل هو نصب على المصدرية أي يحذرون حذرا مثل حذر الموت والحذر والحذار هو شدة الخوف وقرئ حذار الموت والموت زوال الحياة وقيل عرض يضادها لقوله تعالىخَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَورد بأن الخلق بمعنى التقدير والأعدام مقدرة( وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ )أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط شبه شمول قدرته تعالى لهم وانطواء ملكوته عليهم بإحاطة المحيط بما أحاط به في استحالة الفوت أو شبه الهيئة المنتزعة من شؤونه تعالى معهم بالهيئة المنتزعة من أحوال المحيط مع المحاط فالاستعارة المبنية على التشبيه الأول استعارة تبعية في الصفة متفرعة على ما في مصدرها من الاستعارة والمبنية على الثاني تمثيلية قد اقتصر من طرف المشبه به على ما هو العمدة في انتزاع الهيئة المشبه بها أعنى الإحاطة والباقي منوى بألفاظ متخيلة بها يحصل التركيب المعتبر في التمثيل كما مر تحريره في قوله عزّ وجلخَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْوالجملة اعتراضية منبهة على أن ما صنعوا من سد الآذان بالأصابع لا يغنى عنهم شيئا فإن القدر لا يدافعه الحذر والحيل لا ترد بأس اللّه عزّ وجل وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع إلى أصحاب الصيب الإيذان بأن ما دهمهم من الأمور الهائلة المحكية بسبب كفرهم على منهاج قوله تعالىكَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُفإن الإهلاك الناشئ من السخط أشد وقيل هذا الاعتراض من جملة أحوال المشبه على أن المراد بالكافرين المنافقون قد دل به على أنه لا مدفع لهم من عذاب اللّه تعالى في الدنيا والآخرة وإنما وسط بين أحوال المشبه مع أن القياس تقديمه أو تأخيره لإظهار كمال العناية وفرط الاهتمام بشأن المشبه( يَكادُ الْبَرْقُ )استئناف آخر وقع جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل فكيف حالهم مع ذلك البرق فقيل يكاد ذلك( يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ )أي يختلسها ويستلها بسرعة وكاد من أفعال المقاربة وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لتآخذ أسبابه وتعاضد مباديه لكنه لم يوجد بعد لفقد شرط أو لعروض مانع ولا يكون خبرها إلا مضارعا عاريا عن كلمة أن وشذ مجيئه اسما صريحا كما في قوله[ فأبت إلى فهم وما كدت آئبا ]وكذا مجيئه مع أن حملا لها على عسى كما في مثل قول رؤبة[ قد كاد من طول البلى أن يمحصا ]كما تحمل