[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 19 ]
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 )
شرح
اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولم ينظروا إلى آيات التوحيد المنصوبة في الآفاق والأنفس بعين التدبر وأصروا على ذلك بحيث لم يبق لهم احتمال الارعواء عنه صاروا كفاقدى تلك المشاعر بالكلية وهذا عند مفلقى سحرة البيان من باب التمثيل البليغ المؤسس على تناسى التشبيه كما في قول من قال[ ويصعد حتى يظن الجهول * بأن له حاجة في السماء ]لما أن المقدر في النظم في حكم الملفوظ لا من قبيل الاستعارة التي يطوى فيها ذكر المستعار له بالكلية حتى لو لم يكن هناك قرينة لحمل على المعنى الحقيقي كما في قول زهير[ لدى أسد شاكي السلاح مقذف * له لبد أظفاره لم تقلم( فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ )الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها أي هم بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة لا يعودون إلى الهدى الذي تركوه وضيعوه أو عن الضلالة التي أخذوها والآية نتيجة للتمثيل مفيدة لزيادة تهويل وتفظيع فإن قصارى أمر التمثيل بقاؤهم في ظلمات هائلة من غير تعرض لمشعرى السمع والنطق ولاختلال مشعرا لأبصار وقيل الضمير المقدر وما بعده للموصول باعتبار المعنى كالضمائر المتقدمة فالآية الكريمة تتمة للتمثيل وتكميل له بأن ما صابهم ليس مجرد انطفاء نارهم وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة مع بقاء حاسة البصر بحالها بل اختلت مشاعرهم جميعا واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبيه أو الحقيقة فبقوا جامدين في مكاناتهم لا يرجعون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وكيف يرجعون إلى ما ابتدءوا منه والعدول إلى الجملة الاسمية للدلالة على استمرار تلك الحالة فيهم وقرئ صما بكما عميا إما على الذم كما في قوله تعالىحَمَّالَةَ الْحَطَبِوالمخصوص بالذم هم المنافقون أو المستوقدون وإما على الحالية من الضمير المنصوب في تركهم أو المرفوع في لا يبصرون وإما على المفعولية لتركهم فالضميران للمستوقدين .( أَوْ كَصَيِّبٍ )تمثيل لحالهم أثر تمثيل ليعم البيان منها كل دقيق وجليل ويوفى حقها من التفظيع والتهويل فإن تفننهم في فنون الكفر والضلال وتنقلهم فيها من حال إلى حال حقيق بأن يضرب في شأنه الأمثال ويرخى في حلبته أعنة المقال ويمد لشرحه أطناب الإطناب ويعقد لأجله فصول وأبواب لما أن كل كلام له حظ من البلاغة وقسط من الجزالة والبراعة لا بد أن يوفى فيه حق كل من مقامي الإطناب والإيجاز فما ظنك بما في ذروة الإعجاز من التنزيل الجليل ولقد نعى عليهم في هذا التمثيل تفاصيل جناياتهم وهو عطف على الأول على حذف المضاف لما سيأتي من الضمائر المستدعية لذلك أي كمثل ذوى صيب وكلمة أو للإيذان بتساوي القصتين في الاستقلال بوجه التشبيه وبصحة التمثيل بكل واحدة منهما وبهما معا والصيب فيعل من الصوب وهو النزول الذي له وقع وتأثير يطلق على المطر وعلى السحاب قال الشماخ[ عفا آية نسج الجنوب مع الصبا * وأسحم دان صادق الوعد صيب ]ولعل الأول هو المراد هاهنا لاستلزامه الثاني وتنكيره لما أنه أريد به نوع منه شديد هائل كالنار في التمثيل الأول وأمد به ما فيه من المبالغات من جهة مادته الأولى التي هي الصاد المستعلية والياء المشددة والباء الشديدة ومادته