تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 131 إلى 132 ] إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 )
شرح
يحدث في الآخرة والتأكيد بأن واللام لما أن الأمور الأخروية خفية عند المخاطبين فحاجتها إلى التأكيد أشد من الأمور التي تشاهد آثارها وكلمة في متعلقة بالصالحين على أن اللام للتعريف وليست بموصولة حتى يلزم تقديم بعض الصلة عليها على أنه قد يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله[ ربيته حتى إذا تمعددا * كان جزائي بالعصا أن أجلدا ]أو بمحذوف من لفظه أي وأنه لصالح في الآخرة لمن الصالحين أو من غير لفظه أي أعنى في الآخرة نحو لك بعد رعيا وقيل هي متعلقة باصطفيناه على أن في النظم الكريم تقديما وتأخيرا تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين( إِذْ قالَ لَهُ )ظرف لاصطفيناه لما أن المتوسط ليس بأجنبي بل هو مقرر له لأن اصطفاءه في الدنيا إنما هو للنبوة وما يتعلق بصلاح الآخرة أو تعليل له أو منصوب باذكر كأنه قيل اذكر ذلك الوقت لتقف على أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدم وأنه ما نال ما نال إلا بالمبادرة إلى الإذعان والانقياد لما أمر به وإخلاص سره على أحسن ما يكون حين قال له( رَبُّهُ أَسْلِمْ )أي لربك( قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ )وليس الأمر على حقيقته بل هو تمثيل والمعنى أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام من الكوكب والقمر والشمس وقيل أسلم أي أذعن وأطع وقيل أثبت على ما أنت عليه من الإسلام والإخلاص أو استقم وفوض أمورك إلى اللّه تعالى فالأمر على حقيقته والالتفات مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليه عليه السلام لإظهار مزيد اللطف به والاعتناء بتربيته وإضافة الرب في جوابه عليه الصلاة والسلام إلى العالمين للإيذان بكمال قوة إسلامه حيث أيقن حين النظر بشمول ربوبيته للعالمين قاطبة لا لنفسه وحده كما هو المأمور به( وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ )شروع في بيان تكميله عليه السلام لغيره إثر بيان كماله في نفسه وفيه توكيد لوجوب الرغبة في ملته عليه السلام والتوصية التقدم إلى الغير بما فيه خير وصلاح للمسلمين من فعل أو قول وأصلها الوصلة يقال وصاه إذا وصله وفصاه إذا فصله كأن الموصى يصل فعله بفعل الوصي والضمير في بها للملة أو قوله أسلمت لرب العالمين بتأويل الكلمة كما عبر بها عن قوله تعالىإِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِيفي قوله عزّ وجلوَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِوقرئ أوصى والأول أبلغ( وَيَعْقُوبُ )عطف على إبراهيم أي وصى بها هو أيضا وقرئ بالنصب عطفا على بنيه( يا بَنِيَّ )على إضمار القول عند البصريين ومتعلق بوصى عند الكوفيين لأنه في معنى القول كما في قوله[ رجلان من ضبة أخبرانا * أنا رأينا رجلا عريانا ]فهو عند الأولين بتقدير القول وعند الآخرين متعلق بالإخبار الذي هو في معنى القول وقرئ أن يا بنى وبنو إبراهيم عليه السلام كانوا أربعة إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان وقيل ثمانية وقيل أربعة وعشرين وكان بنو يعقوب اثنى عشر روبين وشمعون ولاوى ويهوذا ويشسوخور وزبولون وزوانا وتفتونا