تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 112 ] بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 112 )
شرح
والتحريف على وجهها بل أنفسهم على ما هم عليه لأنهم إنما يقولونه لإضلال المؤمنين وردهم إلى الكفر والهود جمع هائد كعوذ جمع عائذ وبزل جمع بازل والإفراد في كان باعتبار لفظ من والجمع في خبره باعتبار معناه وقرئ إلا من كان يهوديا أو نصرانيا( تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ )الأماني جميع أمنية وهي ما يتمنى كالأعجوبة والأضحوكة والجملة معترضة مبنية لبطلان ما قالوا وتلك إشارة إليه والجمع باعتبار صدوره عن الجميع وقيل فيه حذف مضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم وقيل تلك إشارة إليه وإلى ما قبله من أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأن يردهم كفارا ويرده قوله تعالى( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )فإنهما ليسا مما يطلب له البرهان ولا مما يحتمل الصدق والكذب قيل هاتوا أصله آتوا قلبت الهمزة هاء أي أحضروا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة إن كنتم صادقين في دعواكم . هذا ما يقتضيه المقام بحسب النظر الجليل والذي يستدعيه إعجاز التنزيل أن يحمل الأمر التبكيتى على طلب البرهان على أصل الدخول الذي يتضمنه دعوى الاختصاص به فإن قوله تعالى( بَلى )الخ إثبات من جهته تعالى لما نفوه مستلزم لنفى ما أثبتوه وإذ ليس الثابت به مجرد دخول غيرهم الجنة ولو معهم ليكون المنفى مجرد اختصاصهم به مع بقاء أصل الدخول على حاله بل هو اختصاص غيرهم بالدخول كما ستعرفه بإذن اللّه تعالى ظهر أن المنفى أصل دخولهم ومن ضرورته أن يكون هو الذي كلفوا إقامة البرهان عليه لا اختصاصهم به ليتحد مورد الإثبات والنفي وإنما عدل عن إبطال صريح ما ادعوه وسلك هذا المسك إبانة لغاية حرمانهم مما علقوا به أطماعهم وإظهارا لكمال عجزهم عن إثبات مدعاهم لأن حرمانهم من الاختصاص بالدخول وعجزهم عن إقامة البرهان عليه لا يقتضيان حرمانهم من أصل الدخول وعجزهم عن إثباته وأما نفس الدخول فحيث ثبت حرمانهم منه وعجزهم عن إثباته فهم من الاختصاص به أبعد وعن إثباته أعجز وإنما الفائز به من انتظمه قوله سبحانه( مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ )أي أخلص نفسه له تعالى لا يشرك به شيئا عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الأعضاء ومجمع المشاعر وموضع السجود ومظهر آثار الخضوع الذي هو من أخص خصائص الإخلاص أو توجهه وقصده بحيث لا يلوى عزيمته إلى شئ غيره( وَهُوَ مُحْسِنٌ )حال من ضمير أسلم أي والحال أنه محسن في جميع أعماله التي من جملتها الإسلام المذكور وحقيقة الإحسان الإتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه الوصفي التابع لحسنه الذاتي وقد فسره صلّى اللّه عليه وسلم بقوله أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك( فَلَهُ أَجْرُهُ )الذي وعده له على عمله وهو عبارة عن دخول الجنة أو عما يدخل هو فيه دخولا أوليا وأياما كان فتصويره بصورة الأجر للإيذان بقوة ارتباطه بالعمل واستحالة نيله بدونه وقوله تعالى( عِنْدَ رَبِّهِ )حال من أجره والعامل فيه معنى الاستقرار في الظرف والعندية للتشريف ووضع اسم الرب مضافا إلى ضمير من أسلم موضع ضمير الجلالة لإظهار مزيد اللطف به وتقرير مضمون الجملة أي فله أجره
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 147 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي