[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 109 ]
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 109 )
شرح
الرسول صلّى اللّه عليه وسلم حتى يشبه بمسئولية موسى عليه السلام فلعله أريد التشبيه فيهما معا ولكنه أوجز النظم فذكر في جانب المشبه السائلية وفي جانب المشبه به المسؤولية واكتفى بما ذكر في كل موضع عما ترك في الموضع الآخر كما ذكر في قوله تعالىوَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِوقد جوز أن تكون ما موصولة على أن العائد محذوف أي كالسؤال الذي سأله موسى عليه السلام وقوله تعالى( مِنْ قَبْلُ )متعلق بسئل جئ به للتأكيد وقرئ سيل بالياء وكسر السين وبتسهيل الهمزة بين بين( وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ )أي يختره ويأخذه لنفسه( بِالْإِيمانِ )بمقابلته بدلا منه وقرئ ومن يبدل من أبدل وكان مقتضى الظاهر أن يقال ومن يفعل ذلك أي السؤال المذكور أو إرادته وحاصله ومن يترك الثقة بالآيات البينة المنزلة بحسب المصالح التي من جملتها الآيات الناسخة التي هي خير محض وحق بحت واقترح غيرها( فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ )أي عدل وجار من حيث لا يدرى عن الطريق المستقيم الموصل إلى معالم الحق والهدى وتاه في تيه الهوى وتردى في مهاوى الردى وإنما أوثر على ذلك ما عليه النظم الكريم للتصريح من أول الأمر بأنه كفر وارتداد وأن كونه كذلك أمر واضح غنى عن الإخبار به بأن يقال ومن يفعل ذلك يكفر حقيق بأن يعد من المسلمات ويجعل مقدما للشرطية روما للمبالغة في الزجر والإفراط في الردع وسواء السبيل من باب إضافة الوصف إلى الموصوف لقصد المبالغة في بيان قوة الاتصاف كأنه نفس السواء على منهاج حصول الصورة في الصورة الحاصلة وقيل الخطاب لليهود حين سألوا أن ينزل اللّه عليهم كتابا من السماء وقيل للمشركين حين قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا الخ فإضافة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إليهم على القولين باعتبار أنهم من أمة الدعوة ومعنى تبدل الكفر بالإيمان وهم بمعزل من الإيمان ترك صرف قدرتهم إليه مع تمكنهم من ذلك وإيثارهم للكفر عليه( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ )هم رهط من أحبار اليهود . روى أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر رضى اللّه عنهما بعد وقعة أحد ألم تروا ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا فقال عمار كيف نقض العهد فيكم قالوا شديد قال فإني عاهدت أن لا أكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام ما عشت فقالت اليهود أما هذا فقد صبأ وقال حذيفة أما أنا فقد رضيت باللّه ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبله وبالمؤمنين إخوانا ثم أتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأخبراه فقال أصبتما خيرا وأفلحتما فنزلت( لَوْ يَرُدُّونَكُمْ )حكاية لودادتهم ولو في معنى التمني وصيغة الغيبة كما في قوله حلف ليفعلن وقيل هي بمنزلة أن الناصبة فلا يكون لها جواب وينسبك منها ومما بعدها مصدر يقع مفعولا لودوا التقدير ودوا ردكم وقيل هي على حقيقتها وجوابها محذوف تقديره لو يردونكم كفارا لسروا بذلك و( مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ )