تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال ، ولم يغن عنهم ما كانوا فيه من القوة ، فكيف حال هؤلاء إذا جاءهم العذاب والهلاك ؟ وقيل : الضمير في
بَلَغُوا
عائد على
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
، وفي
آتَيْناهُمْ
على قريش ، وما بلغ الأمم المتقدمة معشار ما آتينا قريشا من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به . وأورد ابن عطية هذه الأقوال احتمالات ، والزمخشري ذكر الثاني ، وأبو عبد اللّه الرازي اختار الثالث ، قال : أي
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
ما بلغوا معشار ما آتينا قوم محمد من البرهان ، وذلك لأن كتاب محمد ، عليه السلام ، أكمل من سائر الكتب وأوضح ، ومحمد ، عليه السلام ، أفضل من جميع الرسل وأفصح ، وبرهانه أوفى ، وبيانه أشفى ، ويؤيد ما ذكرنا ،
وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها
تغني عن القرآن . فلما كان المؤتى في الآية الأولى هو الكتاب ، حمل الإيتاء في الآية الثانية على إيتاء الكتاب ، وكان أولى . انتهى . وعن ابن عباس : فليس أنه أعلم من أمّته ، ولا كتاب أبين من كتابه . والمعشار مفعال من العشر ، ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع ، ومعناهما : العشر والربع . وقال قوم : المعشار عشر العشر . قال ابن عطية : وهذا ليس بشيء . انتهى . وقيل : والعشر في هذا القول عشر المعشرات ، فيكون جزءا من ألف جزء . قال الماوردي : وهو الأظهر ، لأن المراد به المبالغة في التقليل . وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى
فَكَذَّبُوا رُسُلِي
، وهو مستغنى عنه بقوله
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
؟ قلت : لما كان معنى قوله :
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
، وفعل الذين من قبلهم التكذيب ، وأقدموا عليه ، جعل تكذيب الرسل مسببا عنه ، ونظيره أن يقول القائل : أقدم فلان على الكفر ، فكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ويجوز أن ينعطف على قوله :
ما بَلَغُوا
، كقولك : ما بلغ زيد معشار فضل عمرو ، فيفضل عليه .
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
: للمكذبين الأوّلين ، فليحذروا من مثله . انتهى . وفكيف : تعظيم للأمر ، وليست استفهاما مجردا ، وفيه تهديد لقريش ، أي أنهم معرضون لنكير مثله ، والنكير مصدر كالإنكار ، وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل ، والفعل على وزن أفعل ، كالنذير والعذير من أنذر وأعذر ، وحذفت إلى من نكير تخفيفا لأنها أجزأته .
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ
، قال : هي طاعة اللّه وتوحيده . وقال السدي : هي لا إله إلّا اللّه . قال قتادة : هي أن تقوموا . قال أبو علي :
أَنْ تَقُومُوا
في موضع خفض على البدل من واحدة . وقال الزمخشري :
بِواحِدَةٍ
: بخصلة واحدة ، وهو فسرها بقوله :
أَنْ تَقُومُوا
على أن عطف بيان لها . انتهى . وهذا لا يجوز ، لأن بواحدة نكرة ، وأن تقوموا