ثم أكد الجواب بالقسم على البعث ، واتبع القسم بقوله :
عالِمِ الْغَيْبِ
وما بعده ، ليعلم أن إنباتها من الغيب الذي تفرد به تعالى . وجاء القسم بقوله :
وَرَبِّي
مضافا إلى الرسول ، ليدل على شدّة القسم ، إذ لم يأت به في الاسم المشترك بينه وبين من أنكر الساعة ، وهو لفظ اللّه . وقرأ نافع ، وابن عامر ، ورويس ، وسلام ، والجحدري ، وقعنب :
عالِمِ
بالرفع على إضمار هو ؛ وجوز الحوفي وأبو البقاء أن يكون مبتدأ ، والخبر
لا يَعْزُبُ
. وقال الحوفي : أو خبره محذوف ، أي عالم الغيب هو ، وباقي السبعة : عالم بالجر . قال ابن عطية ، وأبو البقاء : وذلك على البدل . وأجاز أبو البقاء أن تكون صفة ، ويعني أن عالم الغيب يجوز أن يتعرف ، وكذا كل ما أضيف إلى معرفة مما كان لا يتعرف بذلك يجوز أن يتعرف بالإضافة ، إلا الصفة المشبهة فلا تتعرف بإضافة . ذكر ذلك سيبويه في كتابه ، وقل من يعرفه . وقرأ ابن وثاب ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائي : علام على المبالغة والخفض ، وتقدّمت قراءة يعزب في يونس .
وقرأ الجمهور :
وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ
، برفع الراءين ، واحتمل أن يكون معطوفا على
مِثْقالُ
، وأن يكون مبتدأ ، والخبر في قوله :
إِلَّا فِي كِتابٍ
وعلى الاحتمال الأول ، يكون
إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
توكيدا لما تضمن النفي في قوله :
لا يَعْزُبُ
، وتقديره : لكنه في كتاب مبين ، وهو كناية عن ضبط الشيء والتحفظ به ، فكأنه في كتاب ، وليس ثم كتاب حقيقة . وعلى التخريج الأول ، يكون الكتاب هو اللوح المحفوظ . وقرأ الأعمش ، وقتادة : بفتح الراءين . قال ابن عطية : عطفا على
ذَرَّةٍ
.
ورويت عن أبي عمرو ، وعزاها أيضا إلى نافع ، ولا يتعين ما قال ، بل تكون لا لنفي الجنس ، وهو مبتدأ ، أعني مجموع لا وما بني معها على مذهب سيبويه ، والخبر
إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
، وهو من عطف الجمل ، لا من عطف المفردات ، كما قال ابن عطية .
وقال الزمخشري : جوابا لسؤال من قال : هل جاز عطف
وَلا أَصْغَرُ
على
مِثْقالُ
، وعطف
وَلا أَصْغَرُ
على
ذَرَّةٍ
؟ قلت : يأبى ذلك حرف الاستثناء ، إلا إذا جعلت الضمير في عنه للغيب ، وجعلت الغيب اسما للخفيات قبل أن تكتب في اللوح ، لأن إثباتها في اللوح نوع من البروز عن الحجاب على معنى أنه لا ينفصل عن الغيب شيء ولا يزول عنه إلا مسطورا في اللوح . انتهى . ولا يحتاج إلى هذا التأويل إذا جعلنا الكتاب المبين ليس اللوح المحفوظ . وقرأ زيد بن علي : ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، بخفض الراءين بالكسرة ، كأنه نوى مضافا إليه محذوفا ، التقدير : ولا أصغره ولا أكبره ، ومن ذلك