تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
قاله قوم ؛ أو إرسال ملك ، قاله قطرب وقوم ، وهذا هو الظاهر لقوله :
إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
. وأجمعوا على أنها لم تكن نبية ، فإن كان الوحي بإرسال ملك ، كما هو الظاهر ، فهو كإرساله للأقرع والأبرص والأعمى ، وكما روي من تكليم الملائكة للناس . والظاهر أن هذا الإيحاء هو بعد الولادة ، فيكون ثم جملة محذوفة ، أي ووضعت موسى أمه في زمن الذبح وخافت عليه .
وَأَوْحَيْنا
، و
أَنْ
تفسيرية ، أو مصدرية . وقيل : كان الوحي قبل الولادة . وقرأ عمرو بن عبد الواحد ، وعمر بن عبد العزيز : أن أرضعيه ، بكسر النون بعد حذف الهمزة على غير قياس ، لأن القياس فيه نقل حركة الهمزة ، وهي الفتحة ، إلى النون ، كقراءة ورش .
فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ
من جواسيس فرعون ونقبائه الذين يقتلون الأولاد ،
فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ
. قال الجنيد : إذا خفت حفظه بواسطة ، فسلميه إلينا بإلقائه في البحر ، واقطعي عنك شفقتك وتدبيرك . وزمان إرضاعه ثلاثة أشهر ، أو أربعة ، أو ثمانية ، أقوال . واليم هنا : نيل مصر .
وَلا تَخافِي
: أي من غرقه وضياعه ، ومن التقاطه ، فيقتل ،
وَلا تَحْزَنِي
لمفارقتك إياه ،
إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ
، وعد صادق يسكن قلبها ويبشرها بحياته وجعله رسولا ، وقد تقدم في سورة طه طرف من حديث التابوت ورميه في اليم وكيفية التقاطه ، فأغنى عن إعادته . واستفصح الأصمعي امرأة من العرب أنشدت شعرا فقالت : أبعد قوله تعالى
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى
الآية ، فصاحة ؟ وقد جمع بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين .
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ
: في الكلام حذف تقديره : ففعلت ما أمرت به من إرضاعه ومن إلقائه في اليم . واللام في
لِيَكُونَ
للتعليل المجازي ، لما كان مآل التقاطه وتربيته إلى كونه عدوا لهم
وَحَزَناً
، وإن كانوا لم يلتقطوه إلا للتبني ، وكونه يكون حبيبا لهم ، ويعبر عن هذه اللام بلام العاقبة وبلام الصيرورة . وقرأ الجمهور : وحزنا ، بفتح الحاء والزاي ، وهي لغة قريش . وقرأ ابن وثاب ، وطلحة ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائي ، وابن سعدان : بضم الحاء وإسكان الزاي . والخاطئ : المتعمد الخطأ ، والمخطئ : الذي لا يتعمده . واحتمل أن يكون في الكلام حذف ، وهو الظاهر ، أي فكان لهم عدوا وحزنا ، أي لأنهم كانوا خاطئين ، لم يرجعوا إلى دينه ، وتعمدوا الجرائم والكفر باللّه . وقال المبرد : خاطئين على أنفسهم بالتقاطه . وقيل : بقتل أولاد بني إسرائيل . وقيل : في تربية عدوّهم . وأضيف الجند هنا وفيما قبل إلى فرعون وهامان ، وإن كان هامان لا جنود له ، لأن أمر الجنود لا يستقيم إلا بالملك والوزير ، إذ بالوزير تحصل الأموال ، وبالملك وقهره يتوصل