وقيل : ذكر
مَكْرُوهاً
على لفظ
كُلُّ
وجوزوا في
مَكْرُوهاً
أن يكون خبرا ثانيا لكان على مذهب من يجيز تعداد الأخبار لكان ، وأن يكون بدلا من سيئة والبدل بالمشتق ضعيف ، وأن يكون حالا من الضمير المستكن في الظرف قبله والظرف في موضع الصفة .
قيل : ويجوز أن يكون نعتا لسيئة لما كان تأنيثها مجازيا جاز أن توصف بمذكر ، وضعف هذا بأن جواز ذلك إنما هو في الإسناد إلى المؤنث المجازي إذا تقدم ، أما إذا تأخر وأسند إلى ضميرها فهو قبيح ، تقول : أبقل الأرض إبقالها فصيحا والأرض أبقل قبيح ، وأما من قرأ
سَيِّئُهُ
بالتذكير والإضافة فسيئة اسم
كانَ
و
مَكْرُوهاً
الخبر ، ولما تقدم من الخصال ما هو سيئ وما هو حسن أشير بذلك إلى المجموع وأفرد سيئة وهو المنهي عنه ، فالحكم عليه بالكراهة من قوله لا تجعل إلى آخر المنهيات . وأما قراءة عبد اللّه فتخرج على أن يكون مما أخبر فيه عن الجمع إخبار الواحد المذكر وهو قليل نحو قوله :
فإن الحوادث أودى بها لصلاحية الحدثان مكان الحوادث وكذلك هذا أيضا كان ما يسوء مكان سيئاته ذلك إشارة إلى جميع أنواع التكاليف من قوله
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
- إلى قوله -
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
« 1 » وهي أربعة وعشرون نوعا من التكاليف بعضها أمر وبعضها نهي بدأها بقوله
لا تَجْعَلْ
. واختتم الآيات بقوله
وَلا تَجْعَلْ
وقال : مما أوحى لأن ذلك بعض مما أوحي إليه إذ أوحى إليه بتكاليف أخر ، و
مِمَّا أَوْحى
خبر عن ذلك ، و
مِنَ الْحِكْمَةِ
يجوز أن يكون متعلقا بأوحى وأن يكون بدلا من ما ، وأن يكون حالا من الضمير المنصوب المحذوف العائد على ما وكانت هذه التكاليف حكمة لأن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد وأنواع الطاعات والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، والعقول تدل على صحتها وهي شرائع في جميع الأديان لا تقبل النسخ .
وعن ابن عباس : إن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه السلام ، أولها
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
قال تعالى :
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
« 2 » وكرر تعالى النهي عن الشرك ، ففي النهي الأول .
فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا
« 3 » وفي الثاني
فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً
والفرق بين مذموم وملوم أن كونه مذموما أن يذكر أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح منكر ، وكونه ملوما أن يقال له بعد
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 17 / 37 .
( 2 ) سورة الأعراف : 7 / 145 .
( 3 ) سورة الإسراء : 17 / 18 .