تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
على الإحياء والإماتة . وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم ، وهم أبعد شيء عن هذه الدعوى لأنهم مع إقرارهم بأن اللّه خالق السماوات والأرض وبأنه قادر على المقدورات كلها وعلى النشأة الأولى منكرين للبعث ، وكان عندهم من قبيل المحال الخارج عن قدرة القادر فكيف يدعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة ؟ قلت : الأمر كما ذكرت ولكنهم بادعائهم الإلهية يلزمهم أن يدعوا لها الإنشاء لأنه لا يستحق هذا الاسم إلّا القادر على كل مقدور ، والإنشاء من جملة المقدورات وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل ، وإشعار بأن ما استبعدوه من اللّه لا يصح استبعاده لأن الإلهية لما صحت صح معها الاقتدار على الإبداء والإعادة ونحو قوله
مِنَ الْأَرْضِ
قولك : فلان من مكة أو من المدينة ، تريد مكي أو مدني ، ومعنى نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض لا أن الآلهة أرضية وسماوية ، من ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أين ربك ؟ » فأشارت إلى السماء فقال : « إنها مؤمنة » لأنه فهم منها أن مرادها نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام لا إثبات السماء مكانا للّه تعالى . ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض لأنها إما أن تنحت من بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض . فإن قلت : لا بد من نكتة في قوله
هُمْ
قلت : النكتة فيه إفادة معنى الخصوصية كأنه قيل
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً
لا تقدر على الإنشاء إلا هم وحدهم انتهى . و
اتَّخَذُوا
هنا يحتمل أن يكون المعنى فيها صنعوا وصوروا ، و
مِنَ الْأَرْضِ
متعلق باتخذوا ، ويحتمل أن يكون المعنى جعلوا الآلهة أصناما من الأرض كقوله
أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً
« 1 » وقوله
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
« 2 » وفيه معنى الاصطفاء والاختيار . وقرأ الجمهور :
يُنْشِرُونَ
مضارع أنشر ومعناه يحيون . وقال قطرب : معناه يخلقون كقوله
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
« 3 » . وقرأ الحسن ومجاهد
يُنْشِرُونَ
مضارع نشر ، وهما لغتان نشر وانشر متعديان ، ونشر يأتي لازما تقول : أنشر اللّه الموتى فنشروا أي فحيوا ، والضمير في
فِيهِما
عائد على السماء والأرض وهما كناية عن العالم . و
إِلَّا
صفة لآلهة أي آلهة غير
اللَّهُ
وكون
إِلَّا
يوصف بها معهود في لسان العرب ومن ذلك ما أنشد سيبويه رحمه اللّه :
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 74 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 125 . ( 3 ) سورة النحل : 16 / 17 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 418 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل