تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول أي شيئا من دينك
فَنَبَذْتُها
أي طرحتها . فعند ذلك أعلم موسى بما له من العذاب في الدنيا والآخرة وإنما أراد لفظ الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له : ما يقول الأمير في كذا أو بما ذا يأمر الأمير ، وتسميته رسولا مع جحده وكفره ، فعلى مذهب من حكى اللّه عنه قوله
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
« 1 » فإن لم يؤمنوا بالإنزال قيل : وما ذكره أبو مسلم أقرب إلى التحقيق إلّا أن فيه مخالفة المفسرين . قيل : ويبعد ما قالوه أن جبريل ليس معهودا باسم رسول ، ولم يجر له فيما تقدم ذكر حتى تكون اللام في الرسول لسابق في الذكر ، ولأن ما قالوه لا بد من إضمار أي من أثر حافر فرس الرسول والإضمار خلاف الأصل ، ولأن اختصاص السامري برؤية جبريل ومعرفته من بين الناس يبعد جدا ، وكيف عرف أن حافر فرسه يؤثر هذا الأثر الغريب العجيب من إحياء الجماد به وصيرورته لحما ودما ؟ وكيف عرف جبريل يتردّد إلى نبيّ وقد عرف نبوّته وصحت عنده فحاول الإضلال ؟ ويكف اطلع كافر على تراب هذا شأنه ؟ فلقائل أن يقول : لعل موسى اطلع على شيء آخر يشبه هذا فلأجله أتى بالمعجزات ، فيصير ذلك قادحا فيما أتوا به من الخوارق انتهى . ما رجح به هذا القائل قول أبي مسلم الأصبهاني .
وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
أي كما حدث ووقع قربت لي نفسي وجعلته لي سولا وإربا حتى فعلته ، وكان موسى عليه السلام لا يقتل بني إسرائيل إلا في حد أو وحي ، فعاقبه باجتهاد نفسه بأن أبعده ونحاه عن الناس وأمر بني إسرائيل باجتنابه واجتناب قبيلته وأن لا يؤاكلوا ولا يناكحوا ، وجعل له أن يقول مدة حياته
لا مِساسَ
أي لا مماسّة ولا إذاية . وقال الزمخشري : عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش ، وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا ، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا ، وإذا اتفق أن يماس أحدا رجلا أو امرأة حمّ الماسّ والممسوس فتحامى الناس وتحاموه ، وكان يصيح
لا مِساسَ
ويقال إن قومه باق فيهم ذلك إلى اليوم انتهى . وكون الحمى تأخذ الماس والممسوس قول قتادة والأمر بالذهاب حقيقة ، ودخلت الفاء للتعقيب إثر المحاورة وطرده بلا مهلة زمانية ، وعبر بالمماسة عن المخالطة لأنها أدنى أسباب المخالطة فنبه بالأدنى على الأعلى ، والمعنى لا مخالطة بينك وبين الناس فنفر من الناس ولزم البرية وهجر البرية وبقي مع الوحوش إلى أن استوحش وصار إذا رأى أحدا
هامش
( 1 ) سورة الحجر : 15 / 6 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 377 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل