والآخر فضلة كان عوده على المحدث عنه أرجح ، ولا يلتفت إلى القرب ولهذا رددنا على أبي محمد بن حزم في دعواه أن الضمير في قوله
فَإِنَّهُ رِجْسٌ
« 1 » عائد على خنزير لا على لحم لكونه أقرب مذكور ، فيحرم بذلك شحمه وغضروفه وعظمه وجلده بأن المحدث عنه هو لحم خنزير لا خنزير .
و
فَلْيُلْقِهِ
أمر معناه الخبر ، وجاء بصيغة الأمر مبالغة إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها ، ومنه
قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « قوموا فلأصل لكم » .
أخرج الخبر في صيغة الأمر لنفسه مبالغة ، ومن حيث خرج الفعل مخرج الأمر حسن جوابه كذلك وهو قوله
يَأْخُذْهُ
. وقال الزمخشري : لما كانت مشيئة اللّه وإرادته أن لا يخطئ جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل وإلقاءه إليه سلك في ذلك سبل المجاز ، وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه فقيل
فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ
انتهى . وقال الترمذي : إنما ذكره بلفظ الأمر لسابق علمه بوقوع المخبر به على ما أخبر به ، فكأن البحر مأمور ممتثل للأمر . وقال الفراء :
فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ
أمر وفيه معنى المجازاة أي اقذفيه يلقه اليم ، والظاهر أن البحر ألقاه بالساحل فالتقطه منه .
و
روي أن فرعون كان يشرب في موضع من النيل إذ رأى التابوت فأمر به فسيق إليه وامرأته معه ففتح فرأوه فرحمته امرأته وطلبته لتتخذه ابنا فأباح لها ذلك .
و
روي أن التابوت جاء في الماء إلى المشرعة التي كانت جواري امرأة فرعون يستقين منها الماء . فأخذت التابوت وجلبته إليها فأخرجته وأعلمته فرعون والعدو الذي للّه ولموسى هو فرعون ، وأخبرت به أم موسى على طريق الإلهام ولذلك قالت لأخته
قُصِّيهِ
« 2 » وهي لا تدري أين استقر .
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
. قيل : محبة آسية وفرعون ، وكان فرعون قد أحبه حبا شديدا حتى لا يتمالك أن يصبر عنه .
قال ابن عباس : أحبه اللّه وحببه إلى خلقه .
و
قال عطية : جعلت عليه مسحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه .
و
قال قتادة : كان في عينيه ملاحة ما رآه أحد إلّا أحبه .
وقال ابن عطية : وأقوى الأقوال أنه القبول . وقال الزمخشري :
مِنِّي
لا يخلو أن يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أحببتك ومن أحبه اللّه أحبته القلوب ، وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة لمحبة أي محبة خالصة أو واقعة مني قد ركزتها أنا فيها في القلوب وزرعتها فيها ، فلذلك أحبك فرعون وكل من أبصرك .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 145 .
( 2 ) سورة القصص : 28 / 11 .