تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
الانتقال لا يثبت على حال ، فنور عقب ظلمة وبالعكس ، وازدياد نور وانتقاص . والظاهر أن
اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
مفعول أول لجعل بمعنى صير ، و
آيَتَيْنِ
ثاني المفعولين ويكونان في أنفسهما آيتين لأنهما علامتان للنظر والعبرة ، وتكون الإضافة في
آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ
للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود ، أي
فَمَحَوْنا
الآية التي هي الليل ، وجعلنا الآية التي هي النار مبصرة . وقيل : هو على حذف مضاف فقدره بعضهم وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين ، وقدّره بعضهم و : جعلنا ذوي الليل والنهار أي صاحبي الليل والنهار ، وعلى كلا التقديرين يراد به الشمس والقمر ، ويظهر أن
آيَتَيْنِ
هو المفعول الأول ، و
اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
ظرفان في موضع المفعول الثاني ، أي وجعلنا في الليل والنهار آيتين . وقال الكرماني : ليس جعل هنا بمعنى صير لأن ذلك يقتضي حالة تقدّمت نقل الشيء عنها إلى حالة أخرى ، ولا بمعنى سمى وحكم ، والآية فيها إقبال كل واحد منهما وإدباره من حيث لا يعلم ، ونقصان أحدهما بزيادة الآخر ، وضوء النهار وظلمة الليل
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
إذا قلنا إنّ الليل والنهار هما المجعولان آيتين فمحو آية الليل عبارة عن السواد الذي فيه ، بل خلق أسود أول حاله ولا تقتضي الفاء تعقيبا وهذا كما يقول بنيت داري فبدأت بالأس . وإذا قلنا أن الآيتين هما الشمس والقمر ، فقيل : محو القمر كونه لم يجعل له نورا . وقيل : محوه طلوعه صغيرا ثم ينمو ثم ينقص حتى يستر . وقيل : محوه نقصه عما كان خلق عليه من الإضاءة ، وأنه جعل نور الشمس سبعين جزءا ونور القمر كذلك ، فمحا من نور القمر حتى صار على جزء واحد ، وجعل ما محا منه زائدا في نور الشمس ، وهذا مروي عن عليّ وابن عباس . وقال ابن عيسى : جعلناها لا تبصر المرئيات فيها كما لا يبصر ما محي من الكتاب . قال : وهذا من البلاغة الحسنة جدا . وقال الزمخشري :
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
أي جعلنا الليل ممحوا لضوء مطموسه ، مظلما لا يستبان منه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ، وجعلنا النهار مبصرا أي يبصر فيه الأشياء وتستبان ، أو
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية بينة ، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء انتهى . ونسب الإبصار إلى
آيَةَ النَّهارِ
على سبيل المجاز كما تقول : ليل قائم ونائم ، أي يقام فيه وينام فيه . فالمعنى يبصر فيها . وقيل : معنى
مُبْصِرَةً
مضيئة . وقيل : هو من باب أفعل ، والمراد به غير من أسند أفعل إليه كقولهم : أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء ، وأضعف إذا كان دوابه ضعافا فأبصرت