بذنوبهم ، كان ذلك رادعا من عقل عن معاصي اللّه فذكر ما شرف اللّه به رسوله من القرآن الناسخ لحكم التوراة وكل كتاب إلهي ، وأنه يهدي للطريقة أو الحالة التي هي أقوم . وقال الضحاك والكلبي والفراء
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
هي شهادة التوحيد . وقال مقاتل : للأوامر والنواهي و
أَقْوَمُ
هنا أفعل التفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ، والذي يظهر من حيث المعنى أن
أَقْوَمُ
هنا لا يراد بها التفضيل إذ لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها ، وفضلت هذه عليها وإنما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال :
وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
« 1 » و
فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
« 2 » أي مستقيمة الطريقة ، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين . وقال الزمخشري :
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
للحالة التي هي أقوم الحالات وأشدّها أو للملة أو للطريقة ، وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف لما في إبهام الموصوف لحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه انتهى .
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ
قيد في الإيمان الكامل إذ العمل هو كمال الإيمان ، نبه على الحالة الكاملة ليتحلى بها المؤمن ، والمؤمن المفرط في عمله له بإيمانه حظ في عمل الصالحات والأجر الكبير الجنة . وقال الزمخشري : فإن قلت كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة ؟ قلت : كان الناس حينئذ إما مؤمن تقي ، وإما مشرك ، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك انتهى . وهذا مكابرة بل وقع في زمان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من بعض المؤمنين هنات وسقطات بعضها مذكور في القرآن ، وبعضها مذكور في الحديث الصحيح الثابت .
وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
عطف على قوله :
أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً
بشروا بفوزهم بالجنة وبكينونة العذاب الأليم لأعدائهم الكفار ، إذ في علم المؤمنين بذلك وتبشيرهم به مسرة لهم ، فهما بشارتان وفيه وعيد للكفار . وقال الزمخشري : ويجوز أن يراد ويخبر بأن الذين لا يؤمنون انتهى . فلا يكون إذ ذاك داخلا تحت البشارة . وفي قوله :
وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
دليل على أن من آمن بالآخرة لا يعدّ له عذاب أليم ، وأنه ليس عمل الصالحات شرطا في نجاته من العذاب .
وقرأ الجمهور
وَيُبَشِّرُ
مشدّدا مضارع بشر المشدّد . وقرأ عبد اللّه وطلحة وابن
هامش
( 1 ) سورة البيّنة : 98 / 5 .
( 2 ) سورة البيّنة : 98 / 3 .