تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
المؤمنين ، فالرجل الكافر بإزاء المتجبرين والرجل المؤمن بإزاء ضعفاء المؤمنين ، وظهر بضرب هذا المثل الربط بين هذه الآية والتي قبلها إذ كان من أشرك إنما افتخر بماله وأنصاره ، وهذا قد يزول فيصير الغني فقيرا ، وإنما المفاخرة بطاعة اللّه والتقدير
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا
قصة
رَجُلَيْنِ
وجعلنا تفسير للمثل فلا موضع له من الإعراب ، ويجوز أن يكون موضعه نصبا نعتا لرجلين . وأبهم في قوله
جَعَلْنا لِأَحَدِهِما
وتبين أنه هو الكافر الشاك في البعث ، وأبهم تعالى مكان الجنتين إذ لا يتعلق بتعيينه كبير فائدة . وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد أن بحيرة تنيس كانت هاتين الجنتين وكانتا الأخوين ، فباع أحدهما نصيبه من الآخر وأنفقه في طاعة اللّه حتى عيره الآخر ، وجرت بينهما هذه المحاورة قال : فغرقها اللّه في ليلة وإياهما عنى بهذه الآية . قال ابن عطية : وتأمل هذه الهيئة التي ذكر اللّه فإن المرء لا يكاد يتخيل أجل منهما في مكاسب الناس جنتا عنب أحاط بهما نخل بينهما فسحة هي مزدرع لجميع الحبوب والماء المعين ، يسقى جميع ذلك من النهر . وقال الزمخشري :
جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ
بساتين من كروم ،
وَحَفَفْناهُما
بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا
النخل محيطا بالجنتين ، وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة انتهى . وقرأ الجمهور
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ
وفي مصحف عبد اللّه كلا الجنتين ، أتى بصيغة التذكير لأن تأنيث الجنتين مجازي ، ثم قرأ
آتَتْ
فأنث لأنه ضمير مؤنث ، فصار نظير قولهم طلع الشمس وأشرقت . وقال الفراء في قراءة ابن مسعود : كل الجنتين آتى أكله انتهى فأعاد الضمير على كل . وقال الزمخشري : جعلها أرضا جامعة للأقوات والفواكه ، ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينهما مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق ، ونعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص ثم بما هو أصل الخير ومادته من أمر الشرب ، فجعله أفضل ما يسقى به وهو السيح بالنهر الجاري فيها والأكل الثمر . وقرأ الجمهور
وَفَجَّرْنا
بتشديد الجيم . وقال الفراء : إنما شدد
وَفَجَّرْنا
وهو نهر واحد لأن النهر يمتد فكان التفجر فيه كله أعلم اللّه تعالى أن شربهما كان من نهر واحد وهو أغزر الشرب . وقرأ الأعمش وسلام ويعقوب وعيسى بن عمر بتخفيف الجيم وكذا قرأ الأعمش في سورة القمر ، والتشديد في سورة القمر أظهر لقوله
عُيُوناً
« 1 » وقوله هنا
هامش
( 1 ) سورة القمر : 54 / 12 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 174 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل