تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
والسلام يرفع صوته بقراءته فيسب المشركون ويلغون فأمر بأن يخفض من صوته حتى لا يسمع المشركين ، وأن لا يخافت حتى يسمعه من وراءه من المؤمنين .
وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ
أي بين الجهر والمخافتة
سَبِيلًا
وسطا وتقدم الكلام على
بَيْنَ ذلِكَ
في قوله
عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
« 1 » . وقال ابن عباس أيضا والحسن : لا تحسن علانيتها وتسيء سرّيتها . وعن عائشة : الصلاة يراد بها هنا التشهد . وقال ابن سيرين : كان الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية في ذلك ، وكان أبو بكر يسرّ قراءته وعمر يجهر بها . فقيل لهما في ذلك فقال أبو بكر : إنما أناجي ربي وهو يعلم حاجتي . وقال عمر : أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان ، فلما نزلت قيل لأبي بكر ارفع أنت قليلا . وقيل لعمر : اخفض أنت قليلا . وعن ابن عباس أيضا : المعنى
وَلا تَجْهَرْ
بصلاة النهار
وَلا تُخافِتْ
بصلاة الليل . وقال ابن زيد : معنى الآية على ما يفعله أهل الإنجيل والتوراة من رفع الصوت أحيانا فيرفع الناس معه ، ويخفض أحيانا فيسكت الناس خلفه انتهى . كما يفعل أهل زماننا من رفع الصوت بالتلحين وطرائق النغم المتخذة للغناء . ولما ذكر تعالى أنه واحد وإن تعددت أسماؤه أمر تعالى أن يحمده على ما أنعم به عليه مما آتاه من شرف الرسالة والاصطفاء ، ووصف نفسه بأنه
لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً
فيعتقد فيه تكثر بالنوع ، وكان ذلك ردّا على اليهود والنصارى والعرب الذين عبدوا الأصنام وجعلوها شركاء للّه ، والعرب الذين عبدوا الملائكة واعتقدوا أنهم بنات اللّه . ونفى أولا الولد خصوصا ثم نفى الشريك في ملكه وهو أعم من أن ينسب إليه ولد فيشركه أو غيره ، ولما نفى الولد ونفى الشريك نفى الولي وهو الناصر ، وهو أعم من أن يكون ولدا أو شريكا أو غير شريك . ولما كان اتخاذ الولي قد يكون للانتصار والاعتزاز به والاحتماء من الذلّ وقد يكون للتفضل والرحمة لمن والى من صالحي عباده كان النفي لمن ينتصر به من أجل المذلة ، إذ كان مورد الولاية يحتمل هذين الوجهين فنفى الجهة التي لأجل النقص بخلاف الولد والشريك فإنهما نفيا على الإطلاق . وجاء الوصف الأول بقوله
الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً
والمعنى أنه تعالى لم يسم ولم يعدّ أحدا ولدا ولم ينفه بجهة التوالد لاستحالة ذلك في بداية العقول ، فلا يتعرض لنفيه بالمنقول ولذلك جاء ما اتخذ اللّه من ولد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 68 .