تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
يأتي به غير مستقيم وهذا خطاب بنقيض . وقال الفراء والطبري : مفعول بمعنى فاعل أي ساحرا ، فهذه العجائب التي يأتي بها من أمر السحر ، وقالوا : مفعول بمعنى فاعل مشئوم وميمون وإنما هو شائم ويأمن . وقرأ الجمهور :
لَقَدْ عَلِمْتَ
بفتح التاء على خطاب موسى لفرعون وتبكيته في قوله عنه أنه مسحور رأى لقد علمت أن ما جئت به ليس من باب السحر ، ولا أني خدعت في عقلي ، بل علمت أنه ما أنزلها إلّا اللّه ، وما أحسن ما جاء به من إسناد إنزالها إلى لفظ
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إذ هو لما سأله فرعون في أول محاورته فقال له : وما رب العالمين قال :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ينبهه على نقصه وأنه لا تصرّف له في الوجود فدعواه الربوبية دعوى استحالة ، فبكته وأعلمه أنه يعلم آيات اللّه ومن أنزلها ولكنه مكابر معاند كقوله
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
« 1 » وخاطبه بذلك على سبيل التوبيخ أي أنت بحال من يعلم هذا وهي من الوضوح بحيث تعلمها وليس خطابه على جهة إخباره عن علمه . وقرأ عليّ بن أبي طالب وزيد بن عليّ والكسائي علمت بضم التاء أخبر موسى عن نفسه أنه ليس بمسحور كما وصفه فرعون ، بل هو يعلم أن
ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ
الآيات إلّا اللّه . و روي عن عليّ أنه قال : ما علم عدوّ اللّه قط وإنما علم موسى ، وهذا القول عن عليّ لا يصح لأنه رواه كلثوم المرادي وهو مجهول ، وكيف يصح هذا القول وقراءة الجماعة بالفتح على خطاب فرعون . و
ما أَنْزَلَ
جملة في موضع نصب علق عنها
عَلِمْتَ
. ومعنى
بَصائِرَ
دلالات على وحدانية اللّه وصدق رسوله والإشارة بهؤلاء إلى الآيات التسع . وانتصب
بَصائِرَ
على الحال في قول ابن عطية والحوفي وأبي البقاء ، وقالا : حال من
هؤُلاءِ
وهذا لا يصح إلّا على مذهب الكسائي والأخفش لأنهما يجيزان ما ضرب هندا هذا إلّا زيد ضاحكة . ومذهب الجمهور أنه لا يجوز فإن ورد ما ظاهره ذلك أول على إضمار فعل يدل عليه ما قبله التقدير ضربها ضاحكة ، وكذلك يقدرون هنا أنزلها
بَصائِرَ
وعند هؤلاء لا يعمل ما قبل إلّا فيما بعدها إلّا أن يكون مستثنى منه أو تابعا له . وقابل موسى ظنه بظن فرعون فقال :
وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً
وشتان ما بين الظنين ظن فرعون ظن باطل ، وظن موسى ظن صدق ، ولذلك آل أمر فرعون إلى الهلاك
هامش
( 1 ) سورة النمل : 27 / 14 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 121 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل