والتوضيح ، وأن المراد منهم
أَنْ يَأْتُوا
بمثله إذ قد يراد بمثل الشيء في موضع الشيء نفسه ، فبين بتكرار
بِمِثْلِهِ
ولم يكن التركيب
لا يَأْتُونَ
به رفعا لهذا الاحتمال ، وأن المطلوب منهم أن يأتوا بالمثل لا أن يأتوا بالقرآن .
ولما ذكر تعالى عجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن نبه على فضله تعالى بما ردّد فيه وضرب من الأمثال والعبر التي تدل على توحيده تعالى ، ومع كثرة ما ردد من الأمثلة وأسبغ من النعم لم يكونوا إلّا كافرين به وبنعمه . وقرأ الجمهور :
صَرَّفْنا
بتشديد الراء والحسن بتخفيفها ، والظاهر أن مفعول
صَرَّفْنا
محذوف تقديره البينات والعبر و
مِنْ
لابتداء الغاية . وقال ابن عطية : ويجوز أن تكون مؤكدة زائدة التقدير ولقد
صَرَّفْنا
كُلِّ مَثَلٍ
انتهى . يعني فيكون مفعول
صَرَّفْنا
كُلِّ مَثَلٍ
وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين والأخفش لا على مذهب جمهور البصريين ، والظاهر أن المراد بالمثل هو القول الغريب السائر في الآفاق ، والقرآن ملآن من الأمثال التي ضربها اللّه تعالى .
وقال الزمخشري :
مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه . وقال أبو عبد اللّه الرازي :
مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
إشارة إلى التحدّي به بالجهات المختلفة كالتحدي بكل القرآن كالذي هنا ، وبسورة مثله وبكلام من سورة كقوله
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
« 1 » ومع ظهور عجزهم أبوا
إِلَّا كُفُوراً
انتهى ملخصا . وقيل :
مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
من الترغيب والترهيب وأنباء الأولين والآخرين وذكر الجنة والنار وأكثر الناس . قيل : من كان في عهد الرسول من المشركين وأهل الكتاب . وقيل : أهل مكة وهو الظاهر بدليل ما أتى بعده من قوله
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ
وتقدم القول في دخول
إِلَّا
بعد أبي في سورة براءة .
و
روي في مقالتهم هذه أخبار مطولة هي في كتب الحديث والسير ملخصها أن صناديد قريش اجتمعوا وسيروا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما جاء إليهم جرت بينهم محاورات في ترك دينهم وطلبه منهم أن يوحدوا ويعبدوا اللّه فأرغبوه بالمال والرئاسة والملك فأبى ، فقال : « لست أطلب ذلك » .
فاقترحوا عليه الست الآيات التي ذكرها اللّه هنا ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما تحداهم بأن
يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ
فتبين عجزهم عن ذلك وإعجازه ، وانضمت إليه معجزات أخر وبينات واضحة فلزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتعللون باقتراح آيات فعل الحائر المبهوت المحجوج ، فقالوا ما حكاه اللّه عنهم .
هامش
( 1 ) سورة الطور : 52 / 34 .