تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 682

مساهمون:

ص٦٨٢
سورة النحل
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
« 1 » فقال : من دونه مرتين وقال : نحن فأكد الضمير لأن لفظ العبادة يصح أن ينسب إلى إفراد اللّه بها وهذا ليس بمستنكر ، بل المستنكر عبادة شيء غير اللّه أو شيء مع اللّه فناسب هنا ذكر من دونه مع العبادة ، وأما لفظ
ما أَشْرَكْنا
فالإشراك يدل على إثبات شريك فلا يتركب مع هذا الفعل لفظ من دونه لو كان التركيب في غير القرآن
ما أَشْرَكْنا
من دونه لم يصح معناه ، وأما من دونه الثانية فالإشراك يدل على تحريم أشياء وتحليل أشياء ، فلم يحتج إلى لفظ من دونه وأما لفظ العبادة فلا يدل على تحريم شيء كما دل عليه لفظ أشرك فقيد بقوله : من دونه ولما حذف من دونه هنا ناسب أن يحذف نحن ليطرد التركيب في التخفيف .
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا
أي مثل ذلك التكذيب المشار إليه في قوله :
فَإِنْ كَذَّبُوكَ
فقد كذبت الأمم السالفة ، فمتعلق التكذيب هو غير قولهم :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا
الآية أي بنحو هذه الشبهة من ظنهم أن ترك اللّه لهم دليل على رضاه بحالهم وحتى ذاقوا بأسنا غاية لامتداد التكذيب إلى وقت العذاب ، لأنه إذا حلّ العذاب لم يبق تكذيب وجعلت المعتزلة التكذيب راجعا إلى قوله
لَوْ شاءَ اللَّهُ
الجملة التي هي محكية بالقول وقالوا : كذبهم اللّه في قولهم ويؤيده قراءة بعض الشواذ كذب . وقال الزمخشري : أي جاءوا بالتكذيب المطلق لأن اللّه عزّ وجل ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وإرادتها والرسل أخبرت بذلك ، فمن علق وجوه القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة اللّه وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب اللّه وكتبه ورسله ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره ؛ انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال .
قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
استفهام على معنى التهكم بهم وهو إنكار ، أي ليس عندكم من علم تحتجون به فتظهرونه لنا ما تتبعون في دعاواكم إلا الظنّ الكاذب الفاسد ، وما أنتم إلا تكذبون أو تقدرون وتحزرون . وقرأ النخعيّ وابن وثاب : إن يتبعون بالياء . قال ابن عطية : وهذه قراءة شاذة يضعفها قوله
وَإِنْ أَنْتُمْ
لأنه يكون من باب الالتفات .
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
بين
قُلْ
والفاء محذوف قدره الزمخشري فإن كان الأمر كما زعمتم إن ما أنتم عليه بمشيئة اللّه فللّه الحجة البالغة عليكم
هامش
( 1 ) سورة النحل : 16 / 35 .