تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ
تقدم قول ابن عطية في أن تأسف وتحزن على أمر أراده اللّه تعالى ، وأمضاه ، وعلم المصلحة فيه . وقال أيضا : و
مِنَ الْجاهِلِينَ
يحتمل في أن لا تعلم أن اللّه
لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى
ويحتمل في أن تهتم بوجود كفرهم الذي قدره اللّه وأراده ، وتذهب بك نفسك إلى ما لم يقدر اللّه ، انتهى . وضعف الاحتمال الأول بأنّه صلى اللّه عليه وسلم مع كمال ذاته وتوفر معلوماته وعظيم اطّلاعه على ما يليق بقدرة الحقّ جلّ جلاله ، واستيلائه على جميع مقدوراته ، لا ينبغي أن يوصف بأنه جاهل بأنه تعالى لو شاء لجمعهم على الهدى ، لأن هذا من قبيل الدين والعقائد ، فلا يجوز أن يكون جاهلا بها ، وكأن الزمخشري قد فسر قوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى
بأن تأتيهم آية ملجئة ، ولكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة فقال في قوله :
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ
من الذين يجهلون ذلك ويرومون ما هو خلافه . وأشار بذلك إلى الإتيان بالآية الملجئة إلى الإيمان وتقدم الكلام في الإلجاء . وقيل : لا تجهل أنه يؤمن بك بعضهم ويكفر بعضهم ، وضعف بأن هذا ليس مما يجهله صلى اللّه عليه وسلم . وقيل لا تكوننّ ممن لا صبر له لأن قلة الصبر من أخلاق الجاهلين ، وضعف بأنه تعالى قد أمره بالصبر في آيات كثيرة ومع أمر اللّه له بالصبر وبيان أنه خير يبعد أن يوصف بعد صبره بقلة الصبر . وقيل : لا يشتد حزنك لأجل كفرهم فتقارب حال الجاهل بأحكام اللّه وقدره ، وقد صرح بهذا في قوله :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
« 1 » وقال قوم : جاز هذا الخطاب لأنه لقربه من اللّه ومكانته عنده كان ذلك حملا عليه كما يحمل العاقل على قريبه فوق ما يحمله على الأجانب ، خشية عليه من تخصيص الإذلال . وقال مكي والمهدوي : الخطاب له والمراد به أمته ، وتمم هذا القول بأنه كان يحزنه إصرار بعضهم على الكفر وحرمانهم ثمرات الإيمان . قال ابن عطية : وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ ؛ انتهى . وقيل : الرسول معصوم من الجهل والشك بلا خلاف ، ولكن العصمة لا تمنع
هامش
( 1 ) سورة فاطر : 35 / 80 .