تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
جملة منعقدة من مبتدإ وخبر ، إنما هو منعقد من فعل وفاعل والفرق بين هذين الوجهين والأوّل أن في الأول الفعل متعد وفي هذين قاصر ، وإن الكلام فيه خبر وهو في هذين إنشاء وجعل الزمخشري من باب بئس فقط فقال :
ساءَ ما يَزِرُونَ
بئس شيئا يزرون وزرهم كقوله :
ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ
« 1 » ، وذكر ابن عطية هذا الوجه احتمالا أخيرا وبدأ بأن
ساءَ
متعدية و
ما
فاعل كما تقول ساء في هذا الأمر وإن الكلام خبر مجرد . قال كقول الشاعر :
رضيت خطة خسف غير طائلة * فساء هذا رضا يا قيس عيلانا
ولا يتعين ما قال في البيت من أن الكلام فيه خبر مجرد ؛ بل يحتمل قوله : فساء هذا رضا الأوجه الثلاثة وافتتحت هذه الجملة ب
أَلا
تنبيها وإشارة لسوء مرتكبهم فألا تدل على الإشارة بما يأتي بعدها كقوله : ألا فليبلغ الشاهد الغائب
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ
« 2 » ألا لا يجهلن أحد علينا .
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
لما ذكر قولهم وقالوا :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
ذكر مصيرها وإن منتهى أمرها أنها فانية منقضية عن قريب ، فصارت شبيهة باللهو واللعب إذ هما لا يدومان ولا طائل لهما كما أنها لا طائل لها ، فاللهو واللعب اشتغال بما لا غنى به ولا منفعة كذلك هي الدنيا بخلاف الاشتغال بأعمال الآخرة فإنها التي تعقب المنافع والخيرات . وقال الحسن : في الكلام حذف التقدير وما أهل الحياة إلا أهل لعب ولهو . وقيل : التقدير وما أعمال الحياة . وقال ابن عباس : هذه حياة الكافر لأنه يزجيها في غرور وباطل ، وأما حياة المؤمن فتطوى على أعمال صالحة فلا تكون لعبا ولهوا وفي الحديث : « ما أنا من الدد ولا الدد مني » ، والدد اللعب واللعب واللهو قيل : هما بمعنى واحد وكرر تأكيدا لذم الدنيا . وقال الرماني : اللعب عمل يشغل عما ينتفع به إلى ما لا ينتفع به ، واللهو صرف النفس عن الجدّ إلى الهزل يقال : لهيت عنه أي صرفت نفسي عنه ورد عليه المهدوي ، فقال : هذا فيه ضعف وبعد لأن الذي معناه الصرف لامه ياء بدليل قولهم : لهيان ولام الأول واو ؛ انتهى . وهذا التضعيف ليس بشيء لأن فعل من ذوات الواو تنقلب فيه الواو ياء كما تقول : شقي فلان وهو من الشقوة فكذلك لهي ، أصله لهو من ذوات الواو فانقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها فقالوا : لهي كما قالوا : حلي بعيني وهو من الحلو وأما استدلاله بقولهم في التثنية لهيان ففاسد لأن التثنية
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 177 . ( 2 ) سورة هود : 11 / 5 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 484 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل