تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
أتى بعد بما هو شامل للخير والشر ، وهو قدرته على كل شيء وفي قوله :
فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ
حذف تقديره فلا كاشف له عنك إلا هو .
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
لما ذكره تعالى انفراده بتصرفه بما يريده من ضر وخير وقدرته على الأشياء ذكر قهره وغلبته ، وأن العالم مقهورون ممنوعون من بلوغ مرادهم بل يقسرهم ويجبرهم على ما يريده هو تعالى و
فَوْقَ
حقيقة في المكان وأبعد من جعلها هنا زائدة ، وأن التقدير وهو القاهر لعباده وأبعد من هذا قول من ذهب إلى أنها هنا حقيقة في المكان ، وأنه تعالى حال في الجهة التي فوق العالم إذ يقتضي التجسيم وأما الجمهور فذكروا أن الفوقية هنا مجاز . فقال بعضهم : هو فوقهم بالإيجاد والإعدام . وقال بعضهم : هو على حذف مضاف معناه فوق قهر عباده بوقوع مراده دون مرادهم . وقال الزمخشري : تصوير للقهر والعلو والغلبة والقدرة كقوله :
وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ
« 1 » انتهى . والعرب تستعمل
فَوْقَ
إشارة لعلو المنزلة وشفوفها على غيره من الرتب ومنه قوله :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
« 2 » وقوله :
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
« 3 » وقال النابغة الجعدي :
بلغنا السماء مجدا وجودا وسؤددا * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
يريد علو الرتبة والمنزلة . وقال أبو عبد اللّه الرازي : صفات الكمال محصورة في العلم والقدرة فقوله :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
إشارة إلى كمال القدرة
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
إشارة إلى كمال العلم أما كونه قاهرا فلأن ما عداه تعالى ممكن الوجود لذاته ، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه ولا عدمه على وجوده إلا بترجيحه تعالى وإيجاده ، فهو في الحقيقة الذي قهر الممكنات تارة في طرق ترجيح الوجود على العدم وتارة في طرق ترجيح العدم على الوجود ، ويدخل فيه كل ما ذكره اللّه تعالى في قوله :
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ
« 4 » الآية . والحكيم والمحكم أي أفعاله متقنة آمنة من وجوه الخلل والفساد لا بمعنى العالم ، لأن
الْخَبِيرُ
إشارة إلى العلم فيلزم التكرار ؛ انتهى ، وفيه بعض اختصار وتلخيص . وقيل :
الْحَكِيمُ
العالم و
الْخَبِيرُ
أيضا العالم ذكره تأكيدا و
فَوْقَ
منصوب على الظرف إما معمولا للقاهر أي المستعلي فوق عباده ، وإما في موضع رفع على أنه خبر ثان لهو أخبر عنه بشيئين أحدهما : أنه القاهر الثاني أنه فوق عباده بالرتبة والمنزلة والشرف لا بالجهة ، إذ هو الموجد لهم وللجهة غير المفتقر لشيء من مخلوقاته
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 127 . ( 2 ) سورة الفتح : 48 / 10 . ( 3 ) يوسف : 12 / 76 . ( 4 ) سورة آل عمران : 3 / 26 .