قطر منها آثارا لهالكين وعبرا للناظرين وجاء هنا خاصة
ثُمَّ انْظُرُوا
بحرف المهلة وفيما سوى ذلك بالفاء التي هي للتعقيب . وقال الزمخشري : في الفرق جعل النظر متسببا عن السير فكان السير سببا للنظر ، ثم قال : فكأنه قيل :
سِيرُوا
لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين ، وهنا معناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع ، وإيجاب النظر في آثار الهالكين ونبه على ذلك ب
ثُمَّ
لتباعد ما بين الواجب والمباح ، انتهى .
وما ذكره أولا متناقض لأنه جعل النظر متسببا عن السير ، فكان السير سببا للنظر ثم قال : فكأنما قيل :
سِيرُوا
لأجل النظر فجعل السير معلولا بالنظر فالنظر سبب له فتناقضا ، ودعوى أن الفاء تكون سببية لا دليل عليها وإنما معناها التعقيب فقط وأما مثل ضربت زيدا فبكى ، وزنى ماعز فرجم ، فالتسبيب فهم من مضمون الجملة لأن الفاء موضوعة له وإنما يفيد تعقيب الضرب بالبكاء وتعقيب الزنا بالرجم فقط ، وعلى تسليم أن الفاء تفيد التسبيب فلم كان السير هنا سير إباحة وفي غيره سير واجب ؟ فيحتاج ذلك إلى فرق بين هذا الموضع وبين تلك المواضع .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 12 إلى 13 ]
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 ) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 )
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
لما ذكر تعالى تصريفه فيمن أهلكهم بذنوبهم ، أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم بسؤالهم ذلك فإنه لا يمكنهم أن يقولوا إلا أن ذلك للّه تعالى فيلزمهم بذلك أنه تعالى هو المالك المهلك لهم ، وهذا السؤال سؤال تبكيت وتقرير ثم أمره تعالى بنسبة ذلك للّه تعالى ليكون أول من بادر إلى الاعتراف بذلك . وقيل : في الكلام حذف تقديره فإذا لم يجيبوا
قُلْ لِلَّهِ
وقال قوم : المعنى أنه أمر بالسؤال فكأنه لما لم يجيبوا سألوا فقيل لهم
قُلْ لِلَّهِ
وللّه خبر مبتدأ محذوف التقدير قل ذلك أو هو للّه .
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
لما ذكر تعالى أنه موجد العالم المتصرف فيهم بما يريد ، ودل ذلك على نفاذ قدرته أردفه بذكر رحمته وإحسانه إلى الخلق وظاهر كتب أنه بمعنى سطر وخط ، وقال به قوم هنا وله أريد حقيقة الكتب والمعنى أمر بالكتب في اللوح المحفوظ . وقيل :
كَتَبَ
هنا بمعنى وعد بها فضلا وكرما . وقيل : بمعنى أخبر . وقيل : أوجب إيجاب فضل وكرم