تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
القمر أو الوعد أو الوعيد ، أقوال والذي يظهر أنه الآية التي تأتيهم وكأنه قيل :
فَقَدْ كَذَّبُوا
بالآية التي تأتيهم وهي الحق فأقام الظاهر مقام المضمر ، لما في ذلك من وصفه بالحق وحقيقته كونه من آيات اللّه تعالى ، وظاهر قوله
فَقَدْ كَذَّبُوا
أن الفاء للتعقيب وأن إعراضهم عن الآية أعقبه التكذيب . وقال الزمخشري :
فَقَدْ كَذَّبُوا
مردود على كلام محذوف كأنه قيل : إن كانوا معرضين عن الآيات .
فَقَدْ كَذَّبُوا
بما هو أعظم آية وأكبرها وهو الحق ، لما جاءهم يعني القرآن الذي تحدوا به على تبالغهم في الفصاحة فعجزوا عنه ؛ انتهى . ولا ضرورة تدعو إلى شرط محذوف إذ الكلام منتظم بدون هذا التقدير .
فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
هذا يدل على أنهم وقع منهم الاستهزاء ، فيكون في الكلام معطوف محذوف دل عليه آخر الآية وتقديره واستهزءوا به ،
فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ
وهذه رتب ثلاث صدرت من هؤلاء الكفار ، الإعراض عن تأمل الدلائل ثم أعقب الإعراض التكذيب ، وهو أزيد من الإعراض إذ المعرض قد يكون غافلا عن الشيء ثم أعقب التكذيب الاستهزاء ، وهو أزيد من التكذيب إذ المكذب قد لا يبلغ إلى حدّ الاستهزاء وهذه هي المبالغة في الإنكار ، والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه وفي الكلام حذف مضاف أي :
فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ
مضمن
أَنْباءُ
فقال قوم : المراد ما عذبوا به في الدنيا من القتل والسبي والنهب والإجلاء وغير ذلك ، وخصص بعضهم ذلك بيوم بدر . وقيل : هو عذاب الآخرة ، وتضمنت هذه الجملة التهديد والزجر والوعيد كما تقول : اصنع ما تشاء فسيأتيك الخبر ، وعلق التهديد بالاستهزاء دون الإعراض والتكذيب لتضمنه إياهما ، إذ هو الغاية القصوى في إنكار الحق . وقال الزمخشري : وهو القرآن أي أخباره وأحواله بمعنى سيعلمون بأي شيء استهزءوا وسيظهر لهم أنه لم يكن موضع استهزاء ، وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وعلو كلمته ؛ انتهى . وهو على عادته في الإسهاب وشرح اللفظ والمعنى مما لا يدلان عليه ، وجاء هنا تقييد الكذب بالحق والتنفيس بسوف وفي الشعراء
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ
« 1 » لأن الأنعام متقدمة في النزول على الشعراء ، فاستوفى فيها اللفظ وحذف من الشعراء وهو مرادا حالة على الأول وناسب الحذف الاختصار في حرف التنفيس ، فجاء بالسين والظاهر أن ما في قوله :
ما كانُوا
موصولة اسمية بمعنى الذي والضمير في
بِهِ
عائد عليها . وقال ابن عطية : يصح أن تكون مصدرية التقدير
أَنْباءُ
كونهم مستهزءين فعلى هذا يكون الضمير في
بِهِ
عائدا
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : 26 / 6 .