تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
وقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : فما معنى ثم ؟ ( قلت ) : استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته وكذلك
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ
استبعاد لأن تمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم ؛ انتهى . وهذا الذي ذهب إليه ابن عطية من أن
ثُمَّ
للتوبيخ ، والزمخشري من أن
ثُمَّ
للاستبعاد ليس بصحيح لأن
ثُمَّ
لم توضع لذلك ، وإنما التوبيخ أو الاستبعاد مفهوم من سياق الكلام لا من مدلول ، ثم ولا أعلم أحدا من النحويين ذكر ذلك بل
ثُمَّ
هنا للمهلة في الزمان وهي عاطفة جملة اسمية على جملة اسمية ، أخبر تعالى بأن الحمد له ونبه على العلة المقتضية للحمد من جميع الناس وهي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور ثم أخبر أن الكافرين به
يَعْدِلُونَ
فلا يحمدونه . وقال الزمخشري ( فإن قلت ) : علام عطف قوله :
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
. ( قلت ) : إما على قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
على معنى أن اللّه حقيق بالحمد على ما خلق ، لأنه ما خلقه إلا نعمة
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
فيكفرون نعمه وإما على قوله
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
على معنى أنه خلق ما خلق ، مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه ؛ انتهى . وهذا الوجه الثاني الذي جوزه لا يجوز ، لأنه إذ ذاك يكون معطوفا على الصلة والمعطوف على الصلة صلة ، فلو جعلت الجملة من قوله :
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
صلة لم يصح هذا التركيب لأنه ليس فيها رابط يربط الصلة بالموصول ، إلا إن خرج على قولهم أبو سعيد الذي رويت عن الخدري يريد رويت عنه فيكون الظاهر قد وقع موقع المضمر ، فكأنه قيل : ثم الذين كفروا به يعدلون وهذا من الندور ، بحيث لا يقاس عليه ولا يحمل كتاب اللّه عليه مع ترجيح حمله على التركيب الصحيح الفصيح ، و
الَّذِينَ كَفَرُوا
الظاهر فيه العموم فيندرج فيه عبدة الأصنام وأهل الكتاب ، عبدت النصارى المسيح واليهود عزيرا واتخذوا أحبارهم أربابا من دون اللّه والمجوس عبدوا النار والمانوية عبدوا النور ، ومن خصص الذين كفروا بالمانوية كقتادة أو بعبدة الأصنام أو بالمجوس حيث قالوا : الموت من أهرمن والحياة من اللّه ، أو بأهل الكتاب كابن أبي أبزى فلا يظهر له دليل على التخصيص والباء في
بِرَبِّهِمْ
يحتمل أن تتعلق ب
يَعْدِلُونَ
وتكون الباء بمعنى عن أي : يعدلون عنه إلى غيره مما لا يخلق ولا يقدر ، أو يكون المعنى يعدلون به غيره أي : يسوون به غيره في اتخاذه ربا وإلها وفي الخلق والإيجاد وعدل الشيء بالشيء التسوية به ، وفي الآية رد على القدرية في قولهم : الخير من اللّه والشر من الإنسان فعدلوا به غيره في الخلق والإيجاد .