تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ
الظاهر أن الضمير في
سَأَلَها
عائد على أشياء . وقال الحوفي : ولا يتجه حمله على الظاهر لا من جهة اللفظ العربيّ ولا من جهة المعنى ، أما من جهة اللفظ فكان يعدى بعن فكان قد سأل عنها كما قال
لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ
فعدى بعن ، وأما من جهة المعنى فلأن المسؤول عنه مختلف قطعا فيهما لأن المنهي عنه الذي هو مثل سؤال من سأل أين مدخلي ومن أبي . ومن سأل عن الحج وأين ناقتي وما في بطن ناقتي غير سؤال القوم الذين تقدموا ، فقال الزمخشري الضمير في
سَأَلَها
ليس براجع إلى أشياء حتى يجب تعديته بعن ، وإنما هو راجع إلى المسألة التي دل عليها
لا تَسْئَلُوا
يعني قد سأل هذه المسألة قوم من الأولين ثم أصبحوا أي بمرجوعها كافرين ، وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا . انتهى . وقال ابن عطية نحوا من قول الزمخشري قال : ومعنى هذه الآية أن هذه السؤالات التي هي تعنتات وطلب شطط واقتراحات ومباحثات قد سألها قبلكم الأمم ثم كفروا بها . انتهى . ولا يستقيم ما قالاه إلا على حذف مضاف وقد صرح به بعض المفسرين ، فقال قد سأل أمثالها أي أمثال هذه المسألة أو أمثال هذه السؤالات ، وقرأ الجمهور
سَأَلَها
بفتح السين والهمزة ، وقرأ النخعي بكسر السين من غير همز يعني بالكسر والإمالة ، وجعل الفعل من مادّة سين وواو ولام لا من مادّة سين وهمزة ولام ، وهما لغتان ذكرهما سيبويه ، ومن كلام العرب هما يتساولان بالواو وإمالة النخعي سأل مثل إمالة حمزة خاف . والقوم قال ابن عباس هم قوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها بعد أن شرط عليهم العذاب الذي لا يعذبه أحدا من العالمين ، وقال ابن زيد أيضا هم قوم موسى سألوا في ذبح البقرة وشأنها ، وقال ابن زيد أيضا هم الذين قالوا لنبيّ لهم
ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
« 1 » ، وقيل قوم موسى سألوا أن يريهم اللّه جهرة فصار ذلك وبالا عليهم ، وقيل قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها بعد أن دخلوا على الاشتراط في قوله تعالى :
لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
« 2 » وبعد اشتراط العذاب عليهم إن مسوها بسوء ، وقال مقاتل كان بنو إسرائيل يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا أخبروهم بها تركوا قولهم ولم يصدّقوهم فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين ، وقال السدّي كقريش في سؤالهم أن يجعل اللّه لهم الصفا ذهبا ، قال ابن عطية إنما يتجه في قريش مثال سؤالهم آية فلما شق القمر كفروا انتهى ، وقال بعض المتأخرين القوم قريش سألوا أمورا ممتنعة كما أخبر تعالى
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
« 3 » وهذا
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 246 . ( 2 ) سورة الشعراء : 26 / 155 . ( 3 ) سورة الإسراء : 17 / 90 .