تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
لا يستوون ؟ فأجيب بذلك : والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر ، لكون الجملة بيانا للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف . ثم قال : ( فإن قلت ) : قد ذكر اللّه تعالى مفضلين درجة ومفضلين درجات من هم ؟ ( قلت ) : أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء ، وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم ، لأن الغزو فرض كفاية انتهى كلامه . فقال : أولا المعنى على القاعدين غير أولي الضرر ، وقال في هذا الجواب : على القاعدين الأضراء ، وهذا تناقض . والظاهر أنّ قوله : درجات ، لا يراد به عدد مخصوص ، بل ذلك على حسب اختلاف المجاهدين . وقال ابن زيد : هي السبع المذكورة في براءة في قوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ
« 1 » الآيات . وقال ابن عطية : درجات الجهاد لو حصرت لكانت أكثر من هذه انتهى . وقال ابن محيريز : الدرجات في الجنة سبعون درجة ، كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة ، وإلى نحوه ذهب : مقاتل ، ورجحه الطبري . وفي الحديث الصحيح : « أن في الجنة مائة درجة أعدها اللّه تعالى للمجاهدين في سبيله بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض » وذهب بعض العلماء إلى أنّ قوله : وفضل اللّه المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ، هو على سبيل التوكيد ، لا أنّ مدلول درجة مخالف لمدلول درجات في المعنى ، بل هما سواء في المعنى . قال تعالى :
وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ
« 2 » لا يراد بها شيء واحد ، بل أشياء . وكرر التفضيل للتأكيد والترغيب في أمر الجهاد ، وإلى هذا ذهب الماتريدي قال : وفي الآية دلالة على أنّ الجهاد فرض كفاية ، حيث يسقط بقيام بعض ، وإن كان خطاب قوله : وقاتلوا في سبيل اللّه يعم انتهى .
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
أي وكلا من القاعدين والمجاهدين . وقيل : وكلا من القاعدين غير أولي الضرر ، وأولي الضرر ، والمجاهدين . والحسنى هنا : الجنة باتفاق . وقال عبد الجبار : هذا الوعد لا يليق بأمر الآخرة . ولما ذكر ما للمجاهدين من الحظ عاجلا جاز أن يتوهم أنه كما اختص بهذه النعم ، فكذلك يختص بالثواب . فبيّن أنّ للقاعدين ما للمجاهدين من الحسنى في الوعد مع ذلك ، ثم بيّن أنّ لهم فضل درجات ، لأنه لو لم يذكر ذلك لأوهم أنّ حالهما في الوعد بالحسنى سواء انتهى . وانتصب كلا على أنه مفعول أوّل لوعد ، والثاني هو الحسنى . وقرئ : وكل بالرفع على الابتداء ، وحذف العائد أي : وكلهم وعد اللّه .
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 9 / 120 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 228 .