تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
غفل وكانوا يعظمونها ومنها ما يكون عند الكهان ومنها ما يكون عند قريش في الكعبة وكان فيها أحكام لهم ، ومن هذا القبيل الزجر بالطير وبالوحش وبأخذ الفأل في الكتب ، ونحوه مما يصنعه الناس اليوم وقد اجتمعت أنواع من التأكيد في الآية منها التصدير بإنما وقران الخمر والميسر بالأصنام إذا فسرنا الأنصاب بها وفي الحديث « مدمن الخمر كعابد وثن » والإخبار عنها بقوله رجس وقال تعالى :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
« 1 » ووصفه بأنه من عمل الشيطان والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت ، والأمر بالاجتناب وترجية الفلاح وهو الفوز باجتنابه فالخيبة في ارتكابه ، وبدئ بالخمر لأن سبب النزول إنما وقع بها من الفساد ولأنها جماع الإثم . وكانت خمر المدينة حين نزولها الغالب عليها كونها من العسل ومن التمر ومن الزبيب ومن الحنطة ومن الشعير وكانت قليلة من العنب ، وقد أجمع المسلمون على تحريم القليل والكثير من خمر العنب التي لم تمسها نار ولا خالطها شيء والأكثر من الأمة على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام ، والخلاف فيما لا يسكر قليله ويسكر كثيره من غير خمر العنب مذكور في كتب الفقه ، قال ابن عطية : وقد خرّج قوم تحريم الخمر من وصفها برجس ، وقد وصف تعالى في آية أخرى الميتة والدم ولحم الخنزير بأنها رجس فيجيء من ذلك أن كل رجس حرام وفي هذا نظر والاجتناب أن تجعل الشيء جانبا وناحية انتهى . ولما كان الشيطان هو الداعي إلى التلبس بهذه المعاصي ، والمغري بها جعلت من عمله وفعله ونسبت إليه على جهة المجاز والمبالغة في كمال تقبيحه كما جاء
فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
« 2 » والضمير في
فَاجْتَنِبُوهُ
عائد على الرجس المخبر عنه من الأربعة فكان الأمر باجتنابه متناولا لها ، وقال الزمخشري ( فإن قلت ) إلام يرجع الضمير في قوله
فَاجْتَنِبُوهُ
( قلت ) إلى المضاف المحذوف كأنه قيل إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك ولذلك قال رجس من عمل الشيطان انتهى ، ولا حاجة إلى تقدير هذا المضاف بل الحكم على هذه الأربعة أنفسها أنها رجس أبلغ من تقدير ذلك المضاف لقوله تعالى :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
« 3 » .
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
ذكر تعالى في الخمر والميسر مفسدتين
هامش
( 1 ) سورة الحج : 22 / 30 . ( 2 ) سورة القصص : 15 / 28 . ( 3 ) سورة التوبة : 28 / 9 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 357 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل