تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
رزق الجنة ، ومن تحت أرجلهم من رزق الدنيا إذ هو من نبات الأرض . وقيل : من فوقهم كثرة الأشجار المثمرة ، ومن تحت أرجلهم الزرع المغلة . وقيل : من فوقهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدّل منها من رؤوس الشجر ، ويلتقطون ما تساقط منها على الأرض ، وتحت أرجلهم . وقال تاج القراء : من فوقهم ما يأتيهم من كبرائهم وملوكهم ، ومن تحت أرجلهم ما يأتيهم من سفلتهم وعوامّهم ، وعبر بالأكل عن الأخذ ، لأنه أجل منافعه وأبلغ ما يحتاج إليه في ديمومة الحياة .
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ
الضمير في منهم يعود على أهل الكتاب . والأمة هنا يراد بها الجماعة القليلة للمقابلة لها بقوله : وكثير منهم . والاقتصاد من القصد وهو الاعتدال ، وهو افتعل بمعنى اعتمل واكتسب أي : كانت أولا جائزة ثم اقتصدت . قيل : هم مؤمنو الفريقين عبد اللّه بن سلام وأصحابه ، وثمانية وأربعون من النصارى . واقتصادهم هو الإيمان باللّه تعالى . وقال مجاهد : المقتصدة مسلمة أهل الكتاب قديما وحديثا ، ونحوه قول ابن زيد : هم أهل طاعة اللّه من أهل الكتاب . وذكر الزجاج وغيره : أنها الطوائف التي لم تناصب الأنبياء مناصبة المتمرّدين المجاهدين . وقال الزمخشري : مقتصدة حالها أمم في عداوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وقال الطبري : من بني إسرائيل من يقتصد في عيسى فيقول : هو عبد اللّه ورسوله وروح منه ، والأكثر منهم غلافية فقال بعضهم : هو الإله ، وعلى هذا مشى الرّوم ومن دخل بآخره في ملة عيسى . وقال بعضهم وهو الأكثر من بني إسرائيل : هو آدمي كغيره لغير رشده ، فتخلص في الاقتصاد أهو في حق عيسى ؟ أو في المناصبة ؟ أو في الإيمان ؟ فإن كان في المناصبة فهل هو بالنسبة إلى الرسول وحده أم بالنسبة إلى الأنبياء ؟ قولان . وإن كان في الإيمان فهل هو في إيمان من آمن بالرسول من الفريقين أو من آمن قديما وحديثا ؟ قولان .
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ
هذا تنويع في التفصيل . فالجملة الأولى جاءت منهم أمة مقتصدة ، جاء الخبر الجار والمجرور ، والخبر الجملة من قوله : ساء ما يعملون ، وبين التركيبين تفاوت غريب من حيث المعنى . وذلك أن الاقتصاد جعل وصفا ، والوصف ألزم للموصوف من الخبر ، فأتى بالوصف اللازم في الطائفة الممدوحة ، وأخبر عنها بقوله : منهم ، والخبر ليس من شأنه اللزوم ولا سيما هنا ، فأخبر عنهم بأنهم من أهل الكتاب في الأصل ، ثم قد تزول هذه النسبة بالإسلام فيكون التعبير عنهم والإخبار بأنهم منهم ، باعتبار الحالة الماضية . وأما في الجملة الثانية فإنهم منهم حقيقة لأنهم كفار ، فجاء الوصف