تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
و قيل : لقي الصحابة المشركين فهزموهم ، فشد رجل منهم على رجل ، فلما غشيه السنان قال : إني مسلم ، فقتله وأخذ متاعه ، فرفع ذلك إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم فقال : « قتلته وقد زعم أنه مسلم ؟ » فقال : قالها متعوذا قال : « هلا شققت عن قلبه ؟ » في قصة آخرها : أن القاتل مات فلفظته الأرض مرتين أو ثلاثا ، فطرح في بعض الشعاب . وقيل : هي السرية التي قتل فيها أسامة بن زيد مرداس بن نهيك من أهل فدك ، وهي مشهورة . وقيل : بعث الرسول عليه السلام أبا حدرد الأسلمي وأبا قتادة ومحلم بن جثامة في سرية إلى أسلم ، فلما بلغوا إلى عامر بن الأضبط الأشجعي حياهم بتحية الإسلام ، فقتله محكم وسلبه ، فلما قدموا قال : « أقتلته بعد ما قال آمنت ؟ » فنزلت . ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة وهي أنه تعالى لما ذكر جزاء من قتل مؤمنا متعمدا وأن له جهنم ، وذكر غضب اللّه عليه ولعنته وإعداد العذاب العظيم له ، أمر المؤمنين بالتثبت والتبين ، وأن لا يقدم الإنسان على قتل من أظهر الإيمان ، وأن لا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف ، وكرر ذلك آخر الآية تأكيدا أن لا يقدم عند الشبه والإشكال حتى يتضح له ما يقدم عليه ، ولما كان خفاء ذلك منوطا بالأسفار والغمزات قال : إذا ضربتم في الأرض ، وإلا فالتثبت والتبين لازم في قتل من تظاهر بالإسلام في السفر وفي الحضر ، وتقدم تفسير الضرب في قوله :
لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ
« 1 » . وقرأ حمزة والكسائي : فتثبتوا بالثاء المثلثة ، والباقون : فتبينوا . وكلاهما تفعل بمعنى استفعل التي للطلب ، أي : اطلبوا إثبات الأمر وبيانه ، ولا تقدموا من غير روية وإيضاح . وقال قوم : تبينوا أبلغ وأشد من فتثبتوا ، لأن المتثبت قد لا يتبين . وقال الراغب : لأنه قلما يكون إلا بعد تثبت ، وقد يكون التثبت ولا تبين ، وقد قوبل بالعجلة في قوله عليه السّلام : « التبين من اللّه والعجلة من الشيطان » . وقال أبو عبيد هما : متقاربان . قال ابن عطية : والصحيح ما قال أبو عبيد ، لأن تبين الرجل لا يقتضي أن الشيء بان ، بل يقتضي محاولة للتبين ، كما أنّ تثبت يقتضي محاولة للتبين ، فهما سواء . وقال أبو علي الفارسي : التثبت هو خلاف الإقدام ، والمراد : التأني ، والتثبت أشد اختصاصا بهذا الموضع . ومما يبين ذلك قوله :
وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً
« 2 » أي أشد وقفا لهم عن ما وعظوا بأن لا يقدموا عليه ، وكلام الناس :
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 273 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 66 .