تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
متظافرين على إقامة الحدود أقوال أربعة . وفصل بعض العلماء فقال : إن كان في البلد إمام أو نائب له فالخطاب متوجه إليه ، فإن لم يكن وفيها حاكم فالخطاب متوجه إليه ، فإن لم يكن فإلى عامة المؤمنين ، وهو من فروض الكفاية إذ ذاك ، إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين . والظاهر من قوله : فاقطعوا أيديهما أنه يقطع من السارق الثنتان ، لكن الإجماع على خلاف هذا الظاهر ، وإنما يقطع من السارق يمناه ، ومن السارقة يمناها . قال الزمخشري : أيديهما يديهما ونحوه :
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
« 1 » اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف ، وأريد باليدين اليمينان بدليل قراءة عبد اللّه : والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم انتهى . وسوى بين أيديهما وقلوبكما وليسا بشيئين ، لأن باب صغت قلوبكما يطرد فيه وضع الجمع موضع التثنية ، وهو ما كان اثنين من شيئين كالقلب والأنف والوجه والظهر ، وأمّا إن كان في كل شيء منهما اثنان كاليدين والأذنين والفخذين فإن وضع الجمع موضع التثنية لا يطرد ، وإنما يحفظ ولا يقاس عليه . لأن الذهن إنما يتبادر إذا أطلق الجمع لما يدل عليه لفظه ، فلو قيل : قطعت آذان الزيدين ، فظاهره قطع أربعة الآذان ، وهو استعمال اللفظ في مدلوله . وقال ابن عطية : جمع الأيدي من حيث كان لكل سارق يمين واحدة ، وهي المعرّضة للقطع في السرقة ، وللسراق أيد ، وللسارقات أيد ، كأنه قال : اقطعوا أيمان النوعين ، فالتثنية للضمير إنما هي للنوعين . وظاهر قوله : أيديهما ، أنه لا يقطع الرجل ، فإذا سرق قطعت يده اليمنى ، ثم إن سرق قطعت يده اليسرى ، ثم إن سق عزّر وحبس ، وهو مذهب مالك والجمهور ، وبه قال : أبو حنيفة والثوري . وقال عليّ ، والزهري ، وحماد بن أبي سلمة ، وأحمد : تقطع يده اليمنى ، ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى ، ثم إن سرق عزّر وحبس . وروى عطاء : لا تقطع في السرقة إلا اليد اليمنى فقط ، ثم إن سرق عزّر وحبس . وقال الشافعي : إذا سرق أولا قطعت يده اليمنى ، ثم في الثانية رجله اليسرى ، ثم في الثالثة يده اليسرى ، ثم في الرابعة رجله اليمنى ، وروي هذا عن عمر . قيل : ثم رجع إلى قول عليّ . وظاهر قطع اليد أنه يكون من المنكب من المفصل . و روي عن عليّ : أنه في اليد من الأصابع ، وفي الرّجل من نصف القدم وهو معقد الشرك . وروي مثله عن عطاء ، وأبي جعفر . وقال أبو صالح السمان : رأيت الذي قطعه عليّ مقطوعا من أطراف الأصابع ، فقيل له : من قطعك ؟ قال : خير الناس . والظاهر أنّ المترتب على السرقة هو قطع اليد فقط . فإن كان المال قائما بعينه أخذه صاحبه ، وإن كان السارق
هامش
( 1 ) سورة التحريم : 66 / 4 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 254 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل