تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
والموطئة للجواب ، لا للشرط . وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ، ولو كان جوابا للشرط لكان بالفاء ، فإنه إذا كان جواب الشرط منفيا بما فلا بد من الفاء كقوله :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ *
« 1 » ما كان حجتهم إلا أن قالوا : ولو كان أيضا جوابا للشرط للزم من ذلك خرم القاعدة النحوية من أنه إذا تقدم القسم على الشرط فالجواب للقسم لا للشرط . وقد خالف الزمخشري كلامه هذا بما ذكره في البقرة في قوله :
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
« 2 » . فقال : ما تبعوا جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط ، وتكلمنا معه هناك فينظر .
إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
هذا ذكر لعلة الامتناع في بسط يده إليه للقتل ، وفيه تنبيه على أن القاتل لا يخاف اللّه .
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
ذهب قوم إلى أنّ الإرادة هنا مجاز لا محبة إيثار شهوة ، وإنما هي تخيير في شرين كما تقول العرب : في الشر خيار ، والمعنى : إن قتلتني وسبق بذلك قدر ، فاختياري أن أكون مظلوما ينتصر اللّه لي في الآخرة . وذهب قوم إلى أنّ الإرادة هنا حقيقة لا مجاز ، لا يقال : كيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه بالنار ، لأن جزاء الظالم حسن أن يراد ، وإذا جاز أن يريده اللّه تعالى جاز أن يريده العبد لأنه لا يريد إلا ما هو حسن قاله الزمخشري ، وفيه دسيسة الاعتزال . وقال ابن كيسان : إنما وقعت الإرادة بعد ما بسط يده للقتل وهو مستقبح ، فصار بذلك كافرا لأن من استحل ما حرم اللّه فقد كفر ، والكافر يريد أن يراد به الشر . وقيل : المعنى أنه لما قال : لأقتلنك استوجب النار بما تقدم في علم اللّه ، وعلى المؤمن أن يريد ما أراد اللّه ، وظاهر الآية أنهما آثمان . قال ابن مسعود ، وابن عباس ، والحسن وقتادة : تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي ، فحذف المضاف ، هذا قول عامة المفسرين . وقال الزجاج : بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك ، وهو راجع في المعنى إلى ما قبله . وقيل : المعنى بإثمي إن لو قاتلتك وقتلتك ، وإثم نفسك في قتالي وقتلي ، وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار » . قيل : يا رسول اللّه هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه » فكأنّ هابيل أراد أني لست بحريص على قتلك ، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي .
هامش
( 1 ) سورة يونس : 10 / 15 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 145 .