تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
يتأتى هذا القول إلا أن يكون الخطاب لليهود ، وفيه بعد . والقولان بعده يكون الميثاق فيهما مجاز ، والأجود حمله على ميثاق البيعة ، إذ هو حقيقة فيه ، وفي قوله : إذ قلتم سمعنا وأطعنا .
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
أي : واتقوا اللّه ولا تتناسوا نعمته ، ولا تنقضوا ميثاقه . وتقدم شرح شبه هذه الجملة في النساء فأغنى عن إعادته .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا
تقدم تفسير مثل هذه الجملة الأولى في النساء ، إلا أنّ هناك بدئ بالقسط ، وهنا أخر . وهذا من التوسع في الكلام والتفنن في الفصاحة . ويلزم من كان قائما للّه أن يكون شاهدا بالقسط ، ومن كان قائما بالقسط أن يكون قائما للّه ، إلا أنّ التي في النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين ، فبدئ فيها بالقسط الذي هو العدل والسواء من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة ، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والإحن ، فبدئ فيها بالقيام للّه تعالى أولا لأنه أردع للمؤمنين ، ثم أردف بالشهادة بالعدل فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدئ فيه بما هو آكد وهو القسط ، وفي معرض العداوة والشنآن بدئ فيها بالقيام للّه ، فناسب كل معرض بما جيء به إليه . وأيضا فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا
« 1 » وقوله :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا
« 2 » فناسب ذكر تقديم القسط ، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط ، وتعدية يجرمنكم بعلى إلا أن يضمن معنى ما يتعدى بها ، وهو خلاف الأصل .
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
أي : العدل نهاهم أولا أن تحملهم الضغائن على ترك العدل ثم أمرهم ثانيا تأكيدا ، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله : هو أقرب للتقوى ، أي : أدخل في مناسبتها ، أو أقرب لكونه لطفا فيها . وفي الآية تنبيه على مراعاة حق المؤمنين في العدل ، إذ كان تعالى قد أمر بالعدل مع الكافرين .
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
لما كان الشنآن محله القلب وهو الحامل على ترك العدل أمر بالتقوى ، وأتى بصفة خبير ومعناها عليم ، ولكنها تختص بما لطف إدراكه ، فناسب هذه الصفة أن ينبه بها على الصفة القلبية .
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 129 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 1280 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 196 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل